في ليلة الوفاء والاعتراف.. مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير يكرم عمر بنخمار

هيئة تحرير صدى تيفي 

في أجواء يطبعها الوفاء لأهل السينما والاعتراف بمن أسهموا في بناء جسور النقد والتكوين والتأطير السينمائي بالمغرب، اختارت إدارة مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير أن تجعل من إحدى محطات دورته السابعة والعشرين مناسبة للاحتفاء بالناقد السينمائي والأستاذ الجامعي السابق عمر بنخمار، في التفاتة تحمل أكثر من دلالة وتعيد إلى الواجهة قيمة الاعتراف بالمسارات التي صنعت جزءا من الذاكرة السينمائية المغربية.

ويأتي هذا التكريم ضمن تقليد دأبت عليه إدارة المهرجان، من خلال منح مساحة خاصة لأسماء راكمت تجارب واشتغلت لسنوات في صمت من أجل تطوير المشهد السينمائي، بما يجعل “ليلة الوفاء والاعتراف” موعدا يتجاوز الطابع الاحتفالي للتكريم، ليصبح لحظة لاستحضار مسار شخصيات تركت بصمتها في مجالات النقد والتكوين والتأطير والبرمجة السينمائية.

ويحمل الاحتفاء بعمر بنخمار رمزية خاصة، بالنظر إلى المسار المتعدد الذي راكمه الرجل بين الجامعة والصحافة والنقد السينمائي والعمل الجمعوي والمؤسساتي. فقد اشتغل أستاذا سابقا بكلية العلوم بالرباط، وهو حاصل على دكتوراه الدولة في البيولوجيا، قبل أن يوسع حضوره داخل المجال السينمائي المغربي، حيث تولى رئاسة الجمعية المغربية لنقاد السينما، وارتبط منذ ثمانينيات القرن الماضي بجمعية الفن السابع بالمغرب.

ومن خلال هذه التجربة، شارك بنخمار في تنظيم وتأطير عدد من التداريب السينمائية، كما تولى إدارة المهرجان الوطني الأول لسينما الهواة سنة 1986 بمدينة الرباط، وأشرف سنة 1987 بمدينة فاس على تدريب وطني في كتابة السيناريو أطره المخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف.

ولم يكن النقد بالنسبة إلى بنخمار مجرد ممارسة عابرة، بل شكل على مدى سنوات جزءا أساسيا من حضوره الثقافي والإعلامي، إذ أصدر كتاب “كيف ولدت السينما في العالم؟”، كما ظل لسنوات كاتبا للعمود السينمائي الأسبوعي “السينما في أسبوع” بجريدة “العلم”، مقدما قراءة نقدية ومتابعة مستمرة للتحولات التي عرفتها السينما المغربية والعالمية.

كما راكم تجربة داخل عدد من اللجان المرتبطة بالإنتاج السينمائي والتلفزيوني، من خلال عضويته سابقا في لجنة دعم الإنتاج السينمائي المغربي التابعة للمركز السينمائي المغربي، فضلا عن مشاركته في لجان اختيار الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية.

وعلى امتداد سنوات، كان بنخمار حاضرا أيضا في عدد من المهرجانات السينمائية داخل المغرب وخارجه، سواء بصفته عضوا في لجان التحكيم أو رئيسا لها، من بينها ترؤسه لجنة تحكيم مهرجان الفيلم المتوسطي بطنجة سنة 2016، ومهرجان الفيلم المغربي بروتردام سنة 2010، إلى جانب مشاركته في لجان تعنى باختيار الأفلام المغربية المرشحة للمشاركة في مهرجانات وطنية ودولية.

ويضاف إلى ذلك حضوره في الندوات واللقاءات السينمائية، واشتغاله في مجال مراجعة السيناريوهات وتطويرها، فضلا عن مشاركته في لجان تحكيم دولية، من بينها مهرجان السينما التونسية ومهرجان سان سيباستيان الإسباني.

ومن هنا، تبدو “ليلة الوفاء والاعتراف” التي يخصصها مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير لعمر بنخمار بمثابة استعادة لمسار سينمائي غني، واستحضار لمرحلة كان فيها النقد السينمائي والتكوين والعمل الجمعوي فضاءات أساسية لصناعة الوعي بالصورة والفيلم.

كما يعكس هذا التكريم، في جانب آخر، فلسفة إدارة مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير في ترسيخ ثقافة الاعتراف، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالأعمال والأفلام، بل الالتفات أيضا إلى الأشخاص الذين راكموا تجاربهم داخل المشهد السينمائي وأسهموا، كل من موقعه، في تأطير أجيال من السينمائيين والنقاد والمهتمين بالفن السابع.

وبذلك، تتحول ليلة التكريم إلى أكثر من موعد ضمن برنامج مهرجان سينمائي؛ إنها لحظة تلتقي فيها ذاكرة السينما المغربية بالحاضر، ويصبح فيها الاحتفاء بعمر بنخمار احتفاء أيضا بجيل من الفاعلين الذين اختاروا أن يجعلوا من السينما مجالا للمعرفة والنقاش والتكوين، ومن النقد وسيلة لمساءلة الصورة وفهم تحولات الفن السابع.

وفي زمن تتسارع فيه الإبداعات وتتغير فيه أدوات صناعة الصورة، تظل مثل هذه المبادرات حاملة لرسالة واضحة: أن السينما لا تصنعها الأفلام وحدها، وإنما يصنعها أيضا الذين يكتبون عنها، ويؤطرون أجيالها، ويواكبون تطورها، ويحفظون ذاكرتها.

ومن هذه الزاوية، تأتي التفاتة مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير إلى عمر بنخمار لتؤكد أن ثقافة الوفاء والاعتراف يمكن أن تكون، بدورها، جزءا من المشهد السينمائي، وأن تكريم رواده هو في العمق تكريم لذاكرة الفن السابع المغربي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...