الحسين أيوسف يكتب المدينة والحضارة

في إحدى تعريفات المدينة، كونها ذاك الكائن الحي المتحرك الذي لا يعرف الجمود، فهي الناس والمواصلات والتجارة والاقتصاد، والفن والعمارة، والصلات والعواطف، والإدارة والسياسة، والثقافة والذوق، وهي مرآة تعكس ثقافة الشعوب وتطورهم، وهي صورة لكفاح الإنسان وانتصاراته وهزائمه، كما أنها صورة للقوة والفقر والحرمان والضعف.
واختلاف المدينة عن البادية ليس اختلافا في الطبيعة والتضاريس فقط بل بالمزايا والخدمات الاجتماعية الكثيرة والمتنوعة منها: مؤسسات تعليمية أفضل، ومراكز الترفيه والخدمات والمرافق الصحية، فرص العمل بوفرة، الوظائف في المدن في القطاعات المختلفة مثل الخدمات والصناعة والتجارة والبناء والوظيفة العمومية والخصوصية في الصحة والتعليم وغيرها من القطاعات والوفيرة.
كذلك مظاهر التحديث والتغييرات المتسارعة في أسلوب المعيشة ونمط الحياة من ملابس وأنماط سكنية متنوعة كالشقق والعمارات والفيلات، ونظرا لوفرة وسائل الاتصالات والتكنولوجيا وغيرها يجعلها أسرع في متغيراتها وتحولاتها، وتسارع ازدياد عدد سكانها بشكل ملفت وكبير، بسبب الهجرة واستقطاب الباحثين عن الفرص.
ومن الجانب الإقتصادي، فالتجارة والتسويق الجيد يساهمان بشكل كبير في زيادة التمدين واتساع المدينة، لكون الفرص التجارية التي يمكن اغتنامها في المدن، و العائدات من المعاملات التجارية التي يمكن تحقيقها بشكل أكبر وأفضل من المناطق الريفية.
لكن هذا الزحف المتزايد والمتسارع للتجمعات السكنية الكثيفة، أضحى يؤثر سلبا على المشهد الحضري والمدني. حيث باتت المدينة تتجه نحو الإشباع (Saturation)، أو ما بات يعرف بالإجهاد الترابي(Le stress territorial) في ظل غياب التخطيط المعقلن والمساير للتطور الذي يلبي حاجيات الإنسان، من احتياجاته الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والثقافية أيضا. مفضيا إلى ما يعرف بالإقصاء والاستبعاد الاجتماعي، والفقر والهشاشة الاجتماعية داخل المدينة.
فالتنمية الحقيقية ليست هي صناعة الإسمنت والأجور وحديد البناء والأبناك، بل هي: كيف نجعل هذه الصناعات في خدمة المدنية ومظاهر التحضر؟
هل السكن الاقتصادي وجودة بنائه وشكله المعماري والهندسي يعكس مظاهر المدينة؟ أم هي مجرد « غيتوهات » أو أحياء سكنية معزولة وبنايات إسمنتية باردة، أو ثكنات جامدة للمأوى والمبيت ليس إلا.
فتوسع المدينة يحتم تأهيلها وتنميتها وتجويد كل ما يتعلق بإطارات العيش الكريم، من سكن لائق بهندسة أنيقة، وتوفير الأمن والصحة، وخدمات النقل والتواصل، والتنشيط السوسيوثقافي، وتحسين مستوى الانسجام بين المرافق السكنية والإنتاجية والخدماتية … الأمر الذي يطرح بشدة مسألة تأهيل البنيات التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، ومختلف الوظائف الحضرية. لننتج مدينة أكثر إنسانية لسكانها، وخاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة. وجعلها مدينة مستدامة، عبر إجراءات متعددة. كالرفع من مستويات البيئة بتوفير المساحات الخضراء وصيانتها، ونشر ثقافة التشجير، وتقديم خدمات عمومية إلكترونية للتخفيف من التنقل، ومكافحة ممارسات الفساد، واستئصال ظاهرة السكن العشوائي، وتوفير نقل عمومي جيد كخدمة عمومية أساسية ووسيلة مفضلة للتنقل، ومحاربة احتلال الملك العمومي، وتحسين وجودة السكن الاجتماعي.
ولن يتأتى هذا إلا بالديمقراطية المحلية الحقة، بشقيها التمثيلي والتشاركي، وهو الرهان الذي لن يتم كسبه بدون إرساء وترسيخ آليات وذهنيات المشاركة الديمقراطية للسكان، في تسيير وتدبير شؤون أحيائهم ومدينتهم، و من خلال إحداث تغيير في العقليات، بتكوين مواطنين مسؤولين، متشبعين بالسلوك المدني، والحس النقدي وروح المبادرة والمهارات القيادية، والقدرة على تدبير المشاريع التعاونية، والتوفيق بين التخصصات المتنوعة، وتدبير الملك المشترك. واكتساب التجارب والخبرات، في زمن غلبت فيه التفاهة في وسائل التواصل من أجل الإلهاء عن التفكير والنقاش الجاد والهادئ. وإعادة الناس إلى الاهتمام بقضاياهم الحقيقية.
لأن التمدن والتحضر ليسا مجرد مظاهر شكلية، بل هما انعكاس لسلوك الإنسان ومدى تحلّيه بالقيم الراقية والآداب السامية في تعامله مع الآخرين. وغياب الذوق السليم، وانعدام اللباقة، وعدم احترام الآخر. ليس تمدنا ولا تحضرا، والتصرفات الغير حضارية، كالصوت المرتفع المزعج، والسلوك العدواني في النقاشات، والافتقار إلى اللباقة في التعاملات، وإهمال النظافة العامة، وغيرها من الممارسات التي تعكس نقص الوعي الاجتماعي والثقافي. كل هذا ليس تحضرا.
التحضر لا يُشترى بالمال، بل يُكتسب بالتربية والتهذيب واحترام الذات والآخرين. وكذلك التمدن ليس ترفًا، وإنما هو سلوك يومي يعكس مدى رقي الإنسان في تعاملاته، سواء في الشارع أو في البيت أو في الأماكن العامة. فهو يقاس بمدى احترام الإنسان لقواعد العيش المشترك، وقدرته على التعامل مع الآخرين بأدب وتقدير.
