شيماء القدميري تكتب : الذكاء الاصطناعي في التعليم: هل نصنع جيلا مفكرا أم جيلا مستهلكا للمعرفة؟

في ظل التغلغل المتسارع للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد المتعلم اليوم محاطا بالمعرفة في إطارها التقليدي، بل أصبح منغمسا في فيض معلوماتي متدفق يعيد تشكيل أساليب التعلم وأدواته. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في وفرة المعرفة أو سهولة الوصول إليها، بل في كيفية توظيفها داخل المنظومة التعليمية؛ وهو ما يطرح تساؤلاً أساسياً حول ما إذا كان هذا التطور التكنولوجي سيشكل رافعة لتعزيز التفكير النقدي وتنمية القدرات الذاتية، أم أنه سيفضي إلى تكريس أنماط جديدة من التلقي السلبي، تجعل المتعلم مجرد مستهلك للمعلومة دون قدرة على التحليل أو الإبداع.
في هذا السياق، يبرز تحدٍّ متزايد يتمثل في لجوء عدد من التلاميذ إلى الذكاء الاصطناعي كبديل جاهز عن البحث والقراءة والجهد الفردي. فبدلاً من خوض تجربة بناء المعرفة بشكل تدريجي، باتت الإجابات السريعة التي توفرها الخوارزميات خياراً مفضلاً لدى البعض، مما قد يؤدي إلى نوع من “الاتكالية المعرفية” التي تُضعف مهارات التفكير والتأمل، وتختزل العملية التعليمية في نتائج جاهزة لا تعكس فهماً حقيقياً أو تعلماً عميقاً.
هذا التحول يثير سؤالاً مهماً حول طبيعة الجيل القادم: هل نحن بصدد تكوين متعلمين يمتلكون أدوات معرفية نقدية وخلاقة، أم أمام جيل يستهلك المعرفة دون القدرة على إنتاجها أو إعادة صياغتها؟
من هنا، لا يكمن الرهان في إدماج الذكاء الاصطناعي بشكل تقني أو آلي داخل التعليم، بل في تأطيره تربوياً بما يجعله وسيلة لتعزيز مهارات البحث والتفكير، لا بديلاً عنها. كما أن المؤسسة التعليمية مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها في ظل هذا التحول الرقمي، بما يضمن تحسين جودة التعلم وتحقيق تكافؤ الفرص، وتقليص الفجوة الرقمية بين المتعلمين.
وفي النهاية، يظل التحدي الأساسي هو إيجاد توازن بين التطور التكنولوجي والقدرة الإنسانية على التفكير والتأمل. فالمطلوب ليس مقاومة التحول الرقمي، بل توجيهه نحو دعم التعلم العميق، وتعزيز ثقافة البحث الذاتي والقراءة النقدية، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي من فرصة تعليمية إلى عامل يضعف ملكات التفكير والإبداع.
