من حضن الأم إلى المجهول… مشهد يهز الضمير ويطرح أسئلة على السياسات العمومية

عبد العزيز مضمون
من بين آلاف القاصرين والشباب والنساء والأطفال والشيوخ الذين يعبرون نحو سبتة أملا في الوصول إلى إسبانيا، تبقى هذه الصورة واحدة من أكثر المشاهد إيلاما وتعبيرا عن عمق الأزمة. أم تحتضن رضيعها وهي تخوض مغامرة محفوفة بالمخاطر، في مشهد لا يجسد فقط الرغبة في الهجرة، بل يعكس حجم اليأس الذي قد يدفع بعض الأسر إلى المخاطرة بحياتها بحثا عن فرصة للعيش بكرامة. ورغم أن الصورة وحدها لا تكفي لتحديد جميع ملابسات الواقعة، فإنها تفتح بابا واسعا للنقاش حول واقع الهجرة غير النظامية وأسبابها.
إن وجود رضيع في قلب هذه المغامرة يكشف أن الهجرة لم تعد خيارا فرديا يقتصر على الشباب، بل أصبحت في بعض الحالات قرارا تتخذه عائلات كاملة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى مثل هذه المخاطر.
وفي هذا السياق، تتحمل الحكومة مسؤولية أساسية في وضع سياسات عمومية أكثر فعالية لمعالجة الأسباب التي تغذي هذه الظاهرة، وفي مقدمتها البطالة، والهشاشة، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، وخلق فرص حقيقية للشباب، حتى لا تتحول الهجرة غير النظامية إلى الخيار الذي يراه البعض أملا في مستقبل أفضل.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة المعقدة في مسؤولية جهة واحدة، إذ تفرض الهجرة غير النظامية مقاربة شاملة تتقاسمها مختلف المؤسسات، مع ضرورة التصدي بحزم لشبكات تهريب البشر التي تستغل أوضاع الراغبين في الهجرة، وتدفعهم إلى مغامرات قد تنتهي بمآسٍ إنسانية.
إن هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي مرآة لواقع مؤلم ورسالة قوية تدعو إلى مراجعة السياسات التنموية وتعزيز العدالة الاجتماعية، حتى لا يظل البحر أو المعابر الحدودية في نظر بعض المواطنين الطريق الوحيد نحو الأمل، وحتى لا يجد رضيع، لم يعرف من الحياة سوى حضن أمه، نفسه طرفا في رحلة محفوفة بالمخاطر قبل أن يبدأ أولى خطواته في الحياة.
