مكنــاس .. بموازاة مع فعاليات المعرض الدولي للفلاحة تنظيم يوم دراسي حول “الماء والفلاحة في ظل التغيرات المناخية

أشرفت شعبة الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس على تنظيم يوم دراسي حول موضوع “الماء والفلاحة في ظل التغيرات المناخية” أطر من طرف مجموعة من الدكاترة المختصين في المجال وبحضور العديد من الفعاليات والأساتذة والمهتمين، بالإضافة إلى طلبة الماستر والدكتوراه بشعبة الجغرافيا
أشغال اليوم الدراسي افتتحت بالكلمة التقديمية للدكتورعبد الوهاب النجاري رئيس شعبة الجغرافيا بنفس الكلية الذي رحب بالسيد العميد لكلية ونائبه والكاتب العام بها وبكل الحضور الذي غصت به قاعة اللقاء مذكرا بالظروف المحيطة بطرح موضوع اليوم الدراسي المرتبط بالشح المائي وتعاقب السنوات الجافة والتغيرات المناخية وارتباطها بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يطرحها الجفاف، مذكرا في نهاية كلمته بأن هذا اللقاء ينقل مباشرة على شاشات المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.
مداخلة السيد لاروس محمد عميد كلية الآداب ثمنت الحدث انطلاقا من الأهمية القصوى التي يتطرق لها موضوع الماء والفلاحة في ظل التغيرات المناخية، معتبرا أن هذا الحدث العلمي الذي أقدمت على ارسائه شعبة الجغرافيا موازاة مع فعاليات المعرض الدولي يعطي للقاء بعدا تخصصيا في مجال التغيرات المناخية وارتباطها بشح التساقطات المطرية والجفاف مستشهدا في معرض كلمته بالعديد من الفقرات التي تضمنتها مجموعة من الخطب الملكية لصاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، والتي تطرقت للتحديات التي يطرحها الجفاف على المستوى الفلاحي الذي يهم الأمن الغذائي للمغرب مما يتطلب معه تبني نظم مستدامة وقابلة للصمود امام الشح المائي عبر تفعيل مختلف الاستراتيجيات المواجهة للتغيرات المناخية المهددة للاستقرار الاجتماعي، مؤكدا في نهاية كلمته على أهمية دور البحث العلمي المجابه للتحديات المصاحبة لتعاقب الفترات الجفافية بالمغرب.
مداخلة الدكتورين بن صابر الرياحي ومحمد المازي تطرقت لموضوع الزراعة البورية في ظل التغيرات المناخية وأساليب التأقلم بمقدمة الريف معتبرا بأن الشعار الذي تنظم هذه الندوة تحته يكتسي أهمية قصوى باعتبار أن موضوعاته المرتبطة بالماء والفلاحية والتغيرات المناخية تطرح العديد من التحديات على أكثر من مستوى، خصوصا وأن الأراضي الفلاحية بالمغرب لا تتعدى % 13 من مجموع التراب الوطني. والتي تساهم بحوالي % 20 من الناتج الوطني، معتبرا أن المردودية الفلاحية بالمغرب مرتبطة دائما بالتغيرات المناخية الغير المنتظمة على مستوى التساقطات المطرية مما يطرح العديد من الإشكالات الهيكلية والاجتماعية المرتبطة بالاختيارات الموجهة لدعم كبار الفلاحين المتجهين نحو الزراعات التصديرية المستنزفة للفرشات المائية عبر الاستغلال الغير المعقلن للإمكانات المائية وبفعل الجشع واعتماد الأساليب المهدرة للماء، مذكرا بواقع الفلاحة بكل من مقدمة الريف وبسهل سايس والتي تعترضهما العديد من العوائق الناتجة عن ضعف التأطير واستغلال القطع الأرضية الصغيرة وشح التساقطات المطرية، بالإضافة إلى التمدد العمراني الذي يلتهم الأراضي الفلاحية، معتبرا أن الاحتباس الحراري وانعكاساته السلبية على مستوى التساقطات المطرية، مما أدى إلى تقلص المساحات المغروسة بما قدره % 50 الشيء الذي أدى إلى تردي المردود الفلاحي الذي أضر بالأوضاع الاجتماعية لصغار الفلاحين الذين التحقوا بأحزمة الفقر المحيطة بالمدن.
مؤكدا على ضرورة التفكير في ابتكار استراتيجيات التكيف الزراعي المجابهة لندرة التساقطات وتراجع الأيام المطيرة، و ارتفاع الحرارة مما يؤدي إلى تيبس الأشجار والمغروسات، الشيء الذي يتطلب اعتماد زراعات بديلة مقاومة للجفاف للوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر تأقلم الزراعات البورية والزرع المباشر وتخصيب التربة والحد من تعرية الأراضي الفلاحية وتوحل السدود مشيرا في ختام عرضه إلى اعتماد سياسة فلاحية قادرة على مواجهة الآثار السلبية للجفاف خصوصا مع توجه المناخ بالمغرب نحو الاحترار.
الدكتورعبد السلام بوهلال تطرق في عرضه إلى المشاكل المرتبطة بالاستغلال المكثف بملوية العليا، مما أدى إلى انقلاب المشهد الزراعي رأسا على عقب بسبب الاستثمار المفرط في مجال الزراعات الربحية التسويقية والتصديرية، مما أدى إلى ارتفاع الضغط على الموارد المائية التي تعتبر المحرك الأساسي لاستدامة هذا التوجه الاستنزافي للفرشات المائية السطحية والجوفية والذي يدعم سياسة التهافت الربحي الذي أضر بالمجال الزراعي بملوية العليا على أكثر من مستوى، خصوصا وأن التكلفة الباهظة للإجهاد المائي انعكست سلبا على الفرشة المائية بسبب الاعتماد على الآبار التي وصل عمقها إلى 200 متر مما أدى الى جفاف العديد من الأثقب المائية معتبرا أن مخطط المغرب الأخضر ساهم بدوره في استنزاف الفرشة المائية بالكامل وبالتالي انهيار أثمنة الأراضي الفلاحية بالمنطقة نتيجة غياب التكامل على مستوى السياسات الفلاحية مما انعكس سلبا على الأوضاع الاجتماعية لفلاحي ملوية العليا بسبب الوضع الكارثي الحالي للوفرة المائية المرتبطة أساسا بالاستنزاف الجائر لها وسبب توالي الجفاف الذي عمق مشاكل الفلاحين والفلاحة على حد سواء بملوية العليا.
الدكتور الهيلوش محمد تطرق للموضوع من خلال زاوية دينامية الموارد المائية واستراتيجية التكيف الزراعي بدير الأطلس المتوسط الشمالي والسايس مؤكدا على تكامل طروحات موضوع الأبحاث والدراسات التي قدمت على مستوى الإشكالات والاستنزاف المائي، سواء على مستوى المسطحات المائية أو على مستوى الفرشات المائية من خلال قوة التغيرات المناخية التي يمر بها المغرب حاليا والتي أدت إلى تقلص الموارد المائية بالأطلس المتوسط الذي كان يعتبر الخزان الطبيعي للماء بالمغرب والذي أصبح اليوم يعيش الندرة المائية بسبب استثمار رؤوس الأموال في المجال الفلاحي دون اعتبار المستثمرين الجدد لخصوصية المجال على مستوى التعاطي مع الندرة المائية المتصاعدة والتوجه عمدا نحو الزراعات السقوية المعدلة جينيا عوض الزراعات البورية المحلية، مما افرز العديد من التحديات المرتبطة بالضغط على التربة والاستنزاف المائي الذي وضع مجال دير الأطلس المتوسط في اتجاه كارثي على كل المستويات، خصوصا مع تقلص نطاق المناطق الرطبة (إفران نموذجا) والنقص الكبير على مستوى الواردات المائية والثلجية وصبيب العيون والمجاري المائية بالأطلس المتوسط، بالإضافة إلى تلوث المصادر المائية بسبب عدم عقلنة استعمال المبيدات الحشرية وتفريغ المخلفات الملوثة بالمجاري المائية بالإضافة الى التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية.
الدكتور الصادكي منير استهل موضوع مداخلته بالتطرق للمسألة المائية بالمناطق الشبه الجافة ـ تحديات الاستغلال وحكامة التدبير ـ حالة سهل كرسيف.
مستنيرا بأحد الأمثلة الشعبية التي تتطرق لأهمية الماء ودوره في كل المجالات الحياتية. حيث قال :
الماء نعمة به تتعمر الزريبة والخيمة
ويلا نقـــــص تنــــزل الغمــــــــة
معتبرا أن دخول المغرب مرحلة الإجهاد المائي كان نتيجة حتمية بسبب توالي الجفاف ونقص السنوات المطرية والاجهاد المائي الشيء الذي أثر سلبا على تزود الحواضر الكبرى والصغرى بالماء بسبب الانقطاعات المتتالية ، مما أدى إلى تنظيم العديد من مسيرات العطش الاحتجاجية على ما الت اليه الاوضاع الاجتماعية بالعديد من المناطق عامة و بملوي الوسطى خاصة و التي أصبحت مجالا شبه جاف بسبب عدم وصول التيارات الرطبة وانحباسها مقابل الكتل الحارة والجافة التي أصبحت تهيمن على الوضع المناخي بالمنطقة وعلى الوضع المائي بالسهل الذي يتوفر على المساحات الفلاحية المستهلكة للإمكانات المائية بسبب الرخص المتعددة لحفر الآبار وارتفاع حجم المياه المسحوبة والتي عجزت على تلبية الحاجيات الفلاحية، خصوصا مع ملاحقة المياه الجوفية العميقة التي استنزفت بصورة فجة بالإضافة إلى معطى التلوث البيئي وتأثيره على جودة المياه بسبب مخلفات معاصرالزيتون.
مؤكدا على ضرورة سنّ سياسة فلاحية مقاومة للتغيرات المناخية وناجعة بيئيا من خلال عقلنة الاستعمال والعمل على احداث محطات تصفية المياه العادمة لدعم الاحتياجات السقوية بسهل كرسيف.
الدكتور عبد الوهاب النجاري رئيس شعبة الجغرافيا بكلية الآداب بمكناس والمؤطر لهذه الندوة العلمية الهامة الموازية لفعاليات المعرض الدولي للفلاحة الذي يعد محطة أساسية للاطلاع على المستجدات الفلاحية وعلى الوسائل المستحدثة في مجالات الري بالتنقيط، بالإضافة إلى توظيف الطاقات البديلة في المجال الفلاحي عامة ومجال الري واقتصاد الماء خاصة.
معتبرا في مداخلته التي حضرت بتنسيق مع الدكتورة بوزيدي زهور على أهمية العروض التي تمت والتي رصدت الإشكالات المرتبطة بالتغيرات المناخية والاحتباس الحراري والجفاف وشح المياه، مؤكدا على أن المقاربات العلمية التي طرحت من طرف الدكاترة المتدخلين رصدت الوضع المقلق الذي يعيشه المغرب على مستوى شح التساقطات المطرية بسبب التغيرات المناخية وبسبب الإجهاد المائي الذي تتعرض له الموارد المائية السطحية والجوفية.
معتبرا بأن منطقة رباط الخير (هرمومو) لا تنأى عن ما تتعرض له باقي المناطق والمجالات الفلاحية بالمغرب بسبب التغيرات المناخية الصعبة المرتبطة بالاحتباس الحراري، مما أدى إلى الدخول في وضع محرج بسبب الندرة المائية وبسبب الوضعية الحرجة لاستدامته مما يتطلب معه إرساء حكامة مائية تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات المطروحة على أكثر من مستوى مؤكداعلى القطع مع طرق الاستغلال اللامعلقن للماء أولا والعمل على إيجاد البدائل الممكنة لتجاوز الخصاص الحاصل مائيا عبر العمل على تكوين الفلاحين وتزويدهم بالإحاطات اللازمة المحققة للاستدامة من خلال البحث العلمي وتطبيقاته الفلاحية.
ردود الدكاترة المؤطرين للندوة العلمية أجابت عن كل التساؤلات بمنظور علمي مرتكز على البحث الميداني وعلى الخبرة العلمية المجالية.
