مدينة تازة تراث وطني إنساني

كريمة الزين

ليست أول مرة أختار فيها صعود أدراج “باب جمعة” ، بدل ركوب الحافلة، فكل مرة أضع قدماي على أدراجها تكون مختلفة عن الاخرى.
تازة أو كما يفضل الكثير كتابتها بالألف لا بالتاء “تازا” ، هل هذه الفكرة مجنونة؟ لا أعلم .. قد تبدو كذلك، لكنها في الحقيقية لا خالف فيها. فقد كتبها المؤرخون بألف ممدودة، و لا أدري متى تم تغير ألفها الشامخ، إلى تاء تأنيث محتشمة ؟ ومتى تحولت بناياتها التاريخية إلى أطلال وخراب و حجارة متراكمة.
قد تبدوا الأبنية للكثير صروحا من حجر و معدن و رمال، غير أنها في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير، الِعمارة ببساطة تشكل حياتنا أفرادا و مجتمعات، تاريخ أمم و ملوك.
لقد صنفت مدينة تازة، تراثا وطنيا بموجب المرسوم رقم 889 _18 _ 2 والصادر في 23 يناير 2019 وذلك لتضمنها العديد من المواقع و البنايات التاريخية و المناطق الأثرية، لكن العديد من هذه المباني آيلة للسقوط أو يهددها الاندثار في أية لحظة ، إما لأسباب طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان، أو لعوامل بشرية ذاتية، تتعلّق خاصة بمدى استيعاب المجتمع والدولة لأهمية البناء التاريخي.
هنا، نقف متسائلين، عن كيفية ترميم و تثمين هذه المباني و المآثر، التي تحكي لنا جزءا من تاريخ المدينة عبر عصورها؟
جوابا على ما سبق ذكره، كان لزاما علينا التحدث مع أهل التخصص، فكانت الندوة العلمية التي أقيمت يوم الثلاثاء 09 ماي بقاعة العروض التابعة لمعهد الموسيقى و الفن الكوريغرافي، والمنظمة من طرف المديرية الاقليمية للثقافة بتازة بتعاون مع الكلية المتعددة التخصصات، حول موضوع ” دور مشاريع ترميم و تثمين المباني التاريخية و المواقع، في التنمية الترابية بإقليم تازة”، أفضل حل للتعرف على حيثيات هذا الأمر ، ومآل آثار مدينة تازة.
سير الجلسة الاستاذ عبد المالك الناصري، و شارك في إطراء الندوة كل من :
د. عبد الواحد بوبرية، الذي تحدث عن “مرتكزات المرافعة لتثمين التراث التاريخي”
د. عبد اللطيف الخمار، الذي اهتم بموضوع “دور الأبحاث الأركيولوجية أثناء ترميم الاثار”
د. منير أقصبي، الذي أعطى أهم ” الضوابط لترميم المعالم التاريخية و تثمينها”
ومن أهم ما جاء في هذه الندوة: تركيز الاستاذ “منير أقصبي” على أن ترميم الآثار هي عملية تقنية فنية دقيقة و متخصصة، يتم من خلالها الحفاظ على الإرث التاريخي والثقافي، من خلال إعادة الموارد الأثرية إلى حالتها الأقرب، بهدف إطالة عمرها الافتراضي و الحفاظ عليها. فالترميم لا يعني التجديد أو التجميل، ولكنه إعادة الأثر إلى حالته الأصلية باحترام المواد المناسبة له.
التدهور جوهر الحياة، فكما تتدهور صحة الانسان، فان الآثار أيضا ينطبق عليها نفس الشيء، لهذا ظهرت الحاجة للحفاظ على الارث الثقافي، من خلال الترميم، من أجل علاج القطع المتهالكة و ضمان استمرار بقائها. فكما نختار الطبيب المختص لعلاج المرض، لابد من اختيار الاشخاص المختصين و المتميزين بكفاءة عالية و معلومات علمية و تاريخية عن حقبة كل بناية، حتى يستطيع ترميمه بما يناسبه، لا ما يزينه من الخارج فقط.
ولتحقيق هذا الأمر ركز الدكتور “عبد اللطيف خمار” على البحث الأركيولوجي ، و البحث في الحقب التاريخية بطريقة علمية و دحض الأساطير و القصص الكاذبة التي تضلل عمل المؤرخ، و اعتبرها من الخطوات الاولى التي يجب الاهتمام بها قبل التفكير في ترميم أي معلمة تاريخية، حتى لا تقع أي مغالطات في اختيار (الطريقة أو نوع الادوات أو الزركشة او نوع الخطوط …) فيغير من معالم البناية. وأضاف أنه من الواجب محاربة الخروقات التي تطال هذا المجال، و ذلك بالتركيز على البحث الاركيولوجي و العلمي.
و في سياق اخر بين الاستاذ “عبد الواحد بوبرية” السياق التاريخي لجعل مدينة تازة مدينة تراثية و الاعتراف بها كتراث ثقافي.
ففي سنة 1999 كان أول لقاء للبحث عن كيفية ترتيب معالم تازة.
يليها في ماي 2014 ، نظمت جمعية أصدقاء تازة وخريجو المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، لقاء علميا لتثمين المواقع التاريخية، وشددوا، في هذا السياق، على ضرورة استعادة الدور الحضاري والتاريخي للمباني التاريخية والمواقع الأثرية بالمدينة، وذلك من أجل وضع مدينة تازة في حجمها التاريخي والحضاري الزاخر.
وفي سنة 2019 قررت وزارة الثقافة، رسميا، تسجيل مدينة تازة كتراث وطني إنساني، نظرا إلى القيمة التاريخية، والحضارية، والثقافية، التي تحملها المدينة.
رغم كل هذه الجهود المبذولة، إلا أن ساكنة المدينة لازالت تراقب و تتحدث بحرقة، حول مجموعة من الخروقات و الاشكالات التي تلازم المباني و المواقع التاريخية، من بينها
الاهمال التام بنظافة هذه الأماكن.
الخروقات البشرية التي تطال هذه المباني، كتخريب حصن البستيون التاريخي
مصير الخزانة العلمية التي ازدان بها المسجد الأعظم وكانت من أكبر الخزانات المرينية .
والمدرسة المرينية الحسنية بالمشور والتي فوتت في ظروف ملتبسة تطرح أكثر من سؤال الشيء الذي يتطلب تحقيقا نزيها يعيد الأمور إلى نصابها.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...