حنين” مسرحية تغوص في أعماق الهوية( مقالة رأي)

كريمة الزين

ليس الإنسان بإنسان إذا لم يتوقف لحظة طوال مدة حياته، ليسأل نفسه: ما الحكاية؟ من أنا؟ من أين جئت؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ ما الحكمة من الوجود ؟ علام هذا اللهاث المجنون؟ مع أن المعلوم يقول، أن آخر السعي هو موت و تراب و لا شيء…
ظني أن عالمنا تغير، لأن بعض المفاهيم والكثير من القيم قد تغيرت. وحتى لا يبقى الكلام معلقاً أو على طريقة السفسطائيين، – أي وضع أي كلام في إطار لغة بلاغية ومنمقة، ليصبح مقنعاً-، أنتقل بكم إلى عالم المسرح و بالضبط فوق الركح، لنشاهد شخوصا شغفها التمثيل و نقل الحقائق بشتى الطرق الممكنة، حتى تصل إليك دون حدود أو عوائق. مسرحية ” حنين” عرض مسرحي جديد لفرقة “المسرحيين المتحدين” تم تقديمه بمناسبة اليوم العالمي للمسرح أمس الاثنين 27 مارس بمسرح تازة العليا.
مسرحية تطرح أسئلة وجودية مرتبطة بأصل الانسان، بالهوية و الايديولوجيا، و كذا التاريخ المشترك بين الثقافات المتنوعة داخل البلد الواحد. فاليهود عاشوا بالقرب من المسلمين في المغرب منذ قرون طويلة، مع ما يحمله هذا الامتداد الزمني من “فترات عصيبة وأخرى هنيئة، حسب الظروف التي وفرها كل نظام من الأنظمة التي حكمت المغرب، وصولا إلى الدولة العلوية.
مسرحية تبحث عن معنى الوطن، وطن نحتمي تحت سقفه، و نجتمع فيه مع من نحب، قد نختبئ فيه أحيانا، و قد نطل من نوافذه على العالم أحيانا أخرى. فماذا يقصد به؟ هل هو ذاك المنزل الذي ننام و نأكل فيه؟ أم حيث نجد من ينتظرنا بلهفة و يتوق لكلامنا و يتشوق لسماع أخبارنا و النظر إلى وجهنا؟ أ هو المكان الذي ولدنا فيه؟ أم المكان الذي نجد فيه عائلة؟ أم هو الأصل و الجذور التي تسري في دمائنا؟ و لكن..، ماذا لو كنا ننتمي لعالمين مختلفين؟ …
تزاحمت الأفكار والصور الذهنية في مخيلتي، إلى حد وجدت نفسي وكأنني أقرأ في كتاب تاريخي عن علاقات حسن الجوار التي كانت تجمع ما بين اليهود المغاربة والمسلمين بالمغرب، وذلك في فترات زمنية مختلفة: عهد الحماية، فترة الاستعمار الفرنسي، و بعد الاستقلال. ولطالما كانت فكرة المغرب الواحد متعدد الثقافات، من الأفكار التي استندت على دعامات متينة، جذورها في الماضي، و أوراقها تنموا في الحاضر تُسْقى بماء التسامح الديني و الاثني والتعايش الحضاري والمواطنة الحقة والمصير الواحد.
كل هذه الأفكار تسللت من شخصية مثيرة للانتباه، تظهر طوال العرض بين شخوص المسرحية، رجل عجوز بلباس أبيض ووجه مليء بالتجاعيد، يتوسط لباسه جيب كبير مملوء بمؤشرات يهديها للجمهور لفك شفرات الحكاية. هل هو الماضي أم المستقبل ؟هل هو رمز الحزن أم الفرح؟ هل هو أنا ام هو هو ؟ مثل الشبح يحوم في أرجاء الركح دون أن ينطق بكلمة واحدة. عيناه جعلتني أحس ب “الحزن” هذا المفهوم هو مادة عديمة اللون، غير مرئية للعيان، يفرزها الشخص فتنتقل الى كل من حوله، تنتشر في الارض و السماء و الهواء وكل شيء، يُـرَى تأثيرها على كل ما تلامسه..
شخصية تعود للوراء و تعتمد على الذاكرة لتروي لنا ما قد وقع معها، تتأثر، تنفعل، و تحزن للقرارات التي اتخذتها بالماضي. يروي لنا عن قصة علاقة الانسان بالإنسان أبطالها عائلتين تتكون من الأب “سيمون” و زوجته “سوزان” و ابنتهما “سارة” هذه العائلة التي اهتمت بشخصية “علي” بعد وفاة أمه، فتربى الطفلان تحت سقف واحد، ومع نموهما نمت علاقة حب بينهما، الى أن هاجرت سارة إلى فرنسا، و عادت بعد مدة طويلة و قد تغير فيها الكثير، لكن ومع ذلك لازال الحب حاضرا بينهما، و الذي أنتج حملا أشعل إشكالية الهوية و الأصل.. إلى من سينسب هذا الطفل؟ هل سيكون مسلما أم يهوديا؟ هل سينسب للأب أم للأم؟ هل سيبقى في المغرب أم سيهاجر؟
لكن نهاية العرض أظهرت أن كل هذه الأسئلة لا معنى لها. فالإنسان يبقى إنسانا و ما تبقى مجرد زوائد وشوائب و أمور ثانوية، فما أهمية نسبك أو أصلك أو لغتك أو حتى ديانتك، إذا لم تهتم بإنسانيتك أولا قبل كل شيء.
تجدر الاشارة إلى أن مسرحية “حينين” قدمت بمناسبة اليوم العالمي للمسرح من طرف فرقة المسرحيين المتحدين. من تأليف حميد الطالبي وإخراج خالد ازويشي سينوغرافيا عبد الفتاح بن دعنان، تشخيص نسرين المنجى والعربي الزهراوي ومحمد العلمي وفريد بوزيدي، إدارة الإنتاج أمين المربطي، إضاءة و تقنيات رضى العمراني، ملابس شريفة جباري، المحافظة العامة أحمد علاء العرجاني، التصوير والتوثيق عبد الرحمن العلمي، تنفيذ الديكور محمد الشاح.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...