مكناس أمام اختبار ثقافي حاسم.. هل يفرط المجلس في مهرجان الدراما التلفزية؟

في مدينة تبحث عن استعادة وهجها الثقافي وتعزيز حضورها داخل الخريطة الفنية الوطنية، استطاع مهرجان مكناس للدراما التلفزية أن يحجز لنفسه مكانة خاصة، بعدما تجاوز منذ سنوات فكرة التظاهرة الفنية العابرة، وتحول إلى موعد متخصص يضع الدراما المغربية تحت مجهر النقاش والتقييم والتنافس.
فالمهرجان، الذي يحظى بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لا يختزل في عروض فنية أو جوائز توزع في ختام كل دورة، وإنما يمثل فضاء مهنيا تلتقي فيه مختلف مكونات الصناعة الدرامية، من ممثلين ومخرجين وكتاب ومنتجين ونقاد، لتبادل التجارب وفتح نقاش جدي حول واقع الإنتاج التلفزيوني المغربي وآفاق تطويره.
وتكمن قيمة هذه التظاهرة أساسا في تخصصها، إذ تضع الدراما التلفزية في صلب اهتمامها، وتمنح الأعمال المغربية فرصة التنافس والتقييم والمناقشة، فهي بحق تظاهرة متفردة على الصعيد الوطني
وحين تجتمع أعمال درامية مختلفة في فضاء واحد، تصبح المنافسة عاملا طبيعيا يدفع نحو التجويد. فكل عمل يدخل غمار التباري برؤية خاصة في الكتابة والإخراج والتشخيص والصورة، وكل تجربة تصبح قابلة للنقاش والمقارنة، وهو ما يجعل المهرجان بمثابة ورشة سنوية يمكن من خلالها قراءة تطور الدراما المغربية ورصد نقاط قوتها ومكامن ضعفها.
ولا تتوقف أهمية المهرجان عند حدود المسابقة، بل تتجلى أيضا في قدرته على جمع أجيال مختلفة من الفنانين والمهنيين. فلقاء أسماء راكمت سنوات طويلة من التجربة مع طاقات شابة تبحث عن موقعها داخل الصناعة الدرامية، يخلق فرصة حقيقية لتبادل الخبرات ونقل المعرفة وفتح آفاق التعاون وإطلاق أفكار ومشاريع جديدة.
ومن رحم هذا التفاعل يمكن أن تتطور الرؤية إلى الإنتاج التلفزيوني، وأن تتعزز أهمية الكتابة والتكوين والإبداع والتجديد، خصوصا أن الدراما لم تعد مجرد مادة للترفيه، بل أصبحت جزءا أساسيا من الصناعة الثقافية ومن القوة الناعمة لأي بلد.
لهذا، فإن الحديث عن مهرجان مكناس للدراما التلفزية لا ينبغي أن ينحصر في سؤال تنظيم دورة جديدة أو حجم الدعم المخصص لها، بل يجب أن يرتبط بسؤال أكبر يتعلق بما يمكن أن تضيفه هذه التظاهرة إلى الدراما المغربية وإلى المشهد الثقافي بمدينة مكناس.
فالعاصمة الإسماعيلية تحتاج إلى مواعيد ثقافية ذات هوية واضحة وقادرة على خلق إشعاع وطني مستمر، وليس فقط أنشطة موسمية تنتهي بانتهاء موعدها. ومهرجان الدراما التلفزية، بحكم تخصصه وتراكم تجربته وحضوره داخل المشهد الفني، يملك كل المقومات التي تؤهله للعب هذا الدور.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم المهرجان لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تمويلا لتظاهرة فنية فحسب، وإنما باعتباره استثمارا في الثقافة وفي صورة المدينة وفي الصناعة الدرامية الوطنية. فخلال أيام انعقاده، تتحول مكناس إلى فضاء يستقطب فنانين ومهنيين وإعلاميين، وتتحرك معه عجلة الفن والثقافة والإقامة والنقل والخدمات، فضلا عن الحضور الإعلامي الذي يمنح المدينة إشعاعا إضافيا.
المجلس الجماعي لمكناس اليوم مدعو إلى التعامل مع هذه التظاهرة بمنظور استراتيجي يتجاوز منطق الدعم المناسباتي، عبر العمل على توفير شروط الاستمرارية والتطوير، وتشجيع توسيع برمجتها لتشمل الورشات والندوات واللقاءات المهنية والتكوينات، بما يجعلها منصة حقيقية لصناعة الأفكار وتبادل الخبرات.
فالرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد أيام المهرجان أو عدد الجوائز التي توزع في نهايته، وإنما بالأثر الذي يتركه في المدينة وفي مسار الدراما المغربية. وإذا كان الهدف هو تطوير الإنتاج الوطني، فإن وجود فضاء سنوي للتنافس والنقد وتبادل التجارب يظل أمرا بالغ الأهمية.
وفي وقت أصبحت فيه الدراما التلفزية إحدى أبرز واجهات القوة الناعمة، فإن الحفاظ على مهرجان متخصص من هذا النوع وتطويره يمثلان استثمارا في الإبداع والهوية والصورة الثقافية للمغرب.
وبالتالي، فإن مستقبل مهرجان مكناس للدراما التلفزية لا ينبغي أن يكون رهينا بحسابات موسمية ضيقة، بل يجب أن ينظر إليه باعتباره موعدا وطنيا راكم تجربة وهوية وحضورا، ويستحق أن يحظى بالدعم والتطوير حتى يواصل أداء دوره في تحريك المياه الراكدة للمشهد الثقافي بمكناس والمساهمة في تطوير الصناعة الدرامية المغربية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم أمام المجلس الجماعي لمكناس: هل سيتم التعامل مع المهرجان باعتباره مجرد نشاط موسمي، أم سيتم النظر إليه باعتباره استثمارا ثقافيا قادرا على منح العاصمة الإسماعيلية إشعاعا وطنيا والمساهمة في صناعة مستقبل أفضل للدراما المغربية؟
