الذكاء الاصطناعي تحت مجهر السينمائيين بإفران.. هل تهدد التكنولوجيا عرش الإبداع الإنساني؟

سعيد  الحجام  / صدى تيفي  .

يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تثير فضول المهتمين بالتكنولوجيا، بل أصبح موضوعا يفرض نفسه بقوة داخل الصناعة السينمائية، من كتابة السيناريو إلى الإخراج والإنتاج والإنارة والصوت. وبين الوعود التي تفتحها هذه التكنولوجيا أمام الشباب، والمخاوف المرتبطة بمستقبل الإبداع وحقوق المبدعين، احتضن مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير بإفران نقاشا فكريا ومهنيا أعاد طرح سؤال جوهري: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي صناعة السينما، أم أنه يظل مجرد أداة في يد الإنسان؟

الندوة، التي جمعت نقادا ومخرجين وسيناريست، من بينهم عز العرب العلوي المحارزي ورافيين لوكرو وإلهام بوريقي ويوسف توفيق، فتحت نقاشا واسعا حول التحولات التي أحدثتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المهن السينمائية، والإمكانات التي تتيحها أمام الأجيال الجديدة، خصوصا الشباب الطامحين إلى دخول عالم الفن السابع وإطلاق مشاريعهم الإبداعية والمقاولاتية.

ومنذ انطلاق النقاش، بدا واضحا أن الرهان لا يتعلق بمجرد التعرف على أدوات رقمية جديدة، بل بفهم حدود استخدامها، وكيفية توظيفها دون التفريط في جوهر العمل السينمائي القائم على الرؤية الفنية والخيال والقدرة على تحويل الأفكار إلى حكايات تلامس وجدان الجمهور.

وتوقفت المداخلات عند مختلف مراحل إنجاز العمل السينمائي، بدءا من كتابة السيناريو وتطوير الشخصيات وبناء الأحداث، مرورا بالإنتاج والإخراج، وصولا إلى الإنارة وتحريك الكاميرا ومعالجة الصوت والصورة، حيث باتت تطبيقات الذكاء الاصطناعي توفر إمكانات تقنية يمكن أن تساعد على اختصار الوقت وتسهيل بعض العمليات، بل وفتح آفاق جديدة أمام الشباب الذين لا يتوفرون على إمكانات إنتاجية كبيرة.

غير أن النقاش لم يخل من التحذير من الوقوع في وهم أن امتلاك هذه الأدوات كاف لتحويل أي شخص إلى مخرج أو منتج سينمائي. فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على توليد الصور والمشاهد والأصوات، لا تمنح صاحبها تلقائيا الحس الفني ولا القدرة على بناء رؤية متكاملة أو تقديم حكاية متماسكة تحمل معنى إنسانيا.

وفي هذا السياق، برزت خلاصة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل مساعدا للإبداع، لا بديلا عن المبدع، وأن الإنسان سيظل في صلب العملية السينمائية، بما يمتلكه من تجربة ووعي وخيال وقدرة على التقاط تفاصيل الحياة وتحويلها إلى مادة فنية مؤثرة.

فبينما يمكن للآلة أن تساعد في تنفيذ بعض الاختيارات التقنية، أو اقتراح تصورات بصرية، أو الاشتغال على الصوت والإضاءة وتطوير مسارات أولية للسيناريو، يظل التحدي الحقيقي في قدرتها على إنتاج عمل يحمل صدقا عاطفيا وعمقا فكريا ويثير لدى المشاهد أسئلة ومشاعر تتجاوز حدود الصورة الجذابة والمؤثرات المتقنة.

ولعل أكثر لحظات الندوة إثارة للنقاش تمثلت في الأسئلة المشاكسة التي أعادت القضية إلى جانبها الحقوقي والأخلاقي، وفي مقدمتها سؤال: من يحمي المبدع في زمن الذكاء الاصطناعي؟ وهو سؤال يختزل مخاوف متزايدة بشأن حقوق الملكية الفكرية، ومصير الأعمال الفنية، وحدود الاستعانة بإنتاجات الآخرين في تدريب الأنظمة الذكية أو توليد محتويات جديدة.

كما أعاد النقاش التأكيد على أن الذكاء الإنساني، بما يحمله من تجارب ومشاعر ووعي وقدرة على الابتكار، يظل أوسع من مجرد معالجة المعطيات وإنتاج محتويات بناء على أنماط سابقة. فالسينما ليست عملية تقنية خالصة، بل هي قبل كل شيء تعبير عن الإنسان وأسئلته وتناقضاته وأحلامه.

وبالنسبة إلى الشباب، حملت الندوة رسالة مزدوجة؛ فمن جهة، تمثل أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير المهارات وتقليص بعض تكاليف الإنتاج وتوسيع إمكانات التجريب، ومن جهة أخرى، لا يمكن أن تكون بديلا عن التكوين السينمائي والمعرفة بقواعد الكتابة والإخراج والإنتاج، ولا عن العمل المتواصل لبناء شخصية إبداعية مستقلة.

وفي ختام النقاش، عاد المتدخلون إلى القاعدة التي ظلت تحكم الصناعة السينمائية عبر مختلف التحولات التقنية: لا تصنع الأدوات وحدها فيلما ناجحا، ولا تكفي الصورة المبهرة لتعويض قصة ضعيفة أو سيناريو مرتبك. فالقصة الهادفة، والسيناريو المحبوك، والرؤية الإخراجية الواضحة، والإنتاج القوي، تظل عناصر حاسمة في بناء عمل قادر على الوصول إلى الجمهور وترك أثر لديه.

وهكذا، لم تكن ندوة مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير بإفران مجرد استعراض لقدرات الذكاء الاصطناعي، بل شكلت مناسبة لمساءلة العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان، واستكشاف سبل الاستفادة من التحول الرقمي دون التضحية بروح الفن السابع. ففي معركة الإبداع، قد تتغير الكاميرات وتتطور أدوات الكتابة والإنتاج، لكن السؤال الذي سيظل حاضرا هو: من يمنح الفيلم روحه، إن لم يكن الإنسان؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...