من دار الصيدلي بمكناس.. ثلاثة أيام ترسم ملامح “صيدلية الغد” .

بين رهانات الذكاء الاصطناعي، وتحديات الممارسة المهنية، وقصص إنسانية أبكت الحاضرين قبل أن تنتزع تصفيقاتهم، تحولت دار الصيدلي بمكناس على مدى ثلاثة أيام إلى ورشة مفتوحة لرسم ملامح مستقبل مهنة الصيدلة بالمغرب. لم يكن المؤتمر الثاني للغرفة النقابية لصيادلة مكناس الكبرى والنواحي مجرد لقاء مهني تقليدي، بل شكل محطة استثنائية جمعت خبراء وأكاديميين ومؤسساتيين وصيادلة من مختلف جهات المملكة وخارجها، في نقاشات عميقة لامست قضايا المهنة وهمومها اليومية، وفتحت الباب أمام أسئلة كبرى حول “صيدلية الغد” في زمن التحولات الرقمية المتسارعة. وبين قاعات النقاش ولحظات التكريم المؤثرة، برزت رسائل قوية تؤكد أن مستقبل الصيدلي لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل أيضا روح التضامن والوحدة المهنية والالتزام الإنساني تجاه المجتمع.
لم تكن الأيام الثلاثة التي احتضنتها دار الصيدلي بالعاصمة الإسماعيلية مجرد محطة مهنية عابرة، بل تحولت إلى فضاء للنقاش العميق واستشراف مستقبل مهنة الصيدلة في المغرب، خلال فعاليات المؤتمر الثاني للغرفة النقابية لصيادلة مكناس الكبرى والنواحي، المنظم تحت شعار: “صيدلية الغد.. الابتكارات، المطالب المهنية، والذكاء الاصطناعي”.
منذ اللحظات الأولى لانطلاق المؤتمر، بدا واضحا أن الحدث يتجاوز الأبعاد التنظيمية التقليدية، بالنظر إلى الحضور النوعي الذي جمع خبراء وأكاديميين ومؤسساتيين وصيادلة قدموا من مختلف جهات المملكة، إلى جانب مشاركة دولية وازنة أغنت النقاش وفتحت آفاقا جديدة للتفكير في مستقبل القطاع.
وعلى امتداد جلسات المؤتمر وورشاته العلمية، انصب الاهتمام على القضايا التي تشغل بال الصيادلة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. فبين رهانات التطور التكنولوجي والإكراهات المهنية اليومية، سعى المشاركون إلى البحث عن أجوبة عملية تواكب المرحلة المقبلة.
ومن بين أبرز المحطات التي استأثرت باهتمام الحاضرين، الورشات الخاصة بالمطالب المهنية لأصحاب الصيدليات. نقاشات اتسمت بالصراحة والجرأة، أماطت اللثام عن عدد من الإشكالات التي تؤرق المهنيين، وفي مقدمتها ملف التقاعد والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الصيدلي في ممارسته اليومية.
ولم يكن الذكاء الاصطناعي بعيدا عن طاولة النقاش. فقد شكل أحد أكثر المواضيع إثارة للتفاعل، حيث ناقش الخبراء فرص توظيف التكنولوجيا الحديثة والرقمنة في تطوير الخدمات الصيدلانية وتحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على البعد الإنساني للمهنة وضمان سرية المعطيات الصحية للمرضى.
كما احتضن المؤتمر سلسلة من الورشات المتخصصة التي عكست اتساع دائرة اهتمام الصيدلي المعاصر، حيث تمت مناقشة مواضيع العلاج بالفن وإدارة التوتر والإجهاد التأكسدي والتنمية الشخصية، في تأكيد على أن الصيدلي أصبح فاعلا أساسيا داخل المنظومة الصحية، تتجاوز أدواره صرف الأدوية إلى المساهمة في تعزيز الصحة العامة وجودة الحياة.
وفي سياق مواكبة المستجدات القانونية، خصصت جلسات مهمة لمناقشة الإطار التشريعي المنظم لصرف المؤثرات العقلية، حيث أجمع المتدخلون على ضرورة مراجعة النصوص الحالية وتحيينها بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها القطاع ويضمن التوازن بين متطلبات الممارسة المهنية وحماية الصحة العامة.
وإذا كانت الورشات العلمية قد شكلت قلب المؤتمر النابض، فإن التوصيات الصادرة عنه رسمت خارطة طريق للمرحلة المقبلة. فقد شدد المشاركون على ضرورة تعزيز الوحدة النقابية وتوحيد الصفوف بين مختلف الهيئات المهنية للدفاع عن المطالب المشتركة للصيادلة، والعمل على بلورة استراتيجيات موحدة لتحقيق الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المنشودة.
كما أكد المؤتمر على أهمية الانخراط الواعي والمسؤول في الثورة الرقمية، واستثمار الذكاء الاصطناعي كأداة لتطوير الأداء المهني وتحسين الخدمات الصحية، مع الحرص على ضمان سلامة المعطيات وحماية خصوصية المرضى.
وشددت التوصيات كذلك على ضرورة تثمين دور الصيدلي باعتباره مستشارا صحيا أوليا في مجالات متعددة، من بينها التغذية والتجميل والمنتجات الصحية النباتية، مع اعتماد المقاربة العلمية كمرجع أساسي لضمان فعالية وسلامة المنتجات المقدمة للمواطنين.
غير أن أقوى لحظات المؤتمر لم تكن داخل قاعات النقاش فقط، بل تجلت أيضا في ثقافة الاعتراف التي طبعت هذه التظاهرة المهنية. فقد عاش الحاضرون لحظات مؤثرة خلال تكريم عدد من رواد المهنة وقدماء الصيادلة، في مشاهد امتزجت فيها دموع التأثر بفرحة الاعتراف بمسارات مهنية طويلة حافلة بالعطاء والتضحية.
ولعل أكثر المشاهد تأثيرا تلك التي رافقت عرض شريط وثائقي سلط الضوء على المجهودات الإنسانية التي بذلتها لجنة التضامن التابعة للصيادلة خلال فاجعة الحوز وعدد من المناطق النائية والصعبة. صور ومشاهد وثقت لقوافل طبية وإنسانية جابت مناطق منكوبة، حاملة معها الأدوية والفحوصات والخدمات الصحية لفائدة الساكنة المتضررة.
كانت لحظات صادقة أعادت التذكير بالوجه الإنساني النبيل لمهنة الصيدلة، وبالدور الوطني الذي يضطلع به الصيادلة خارج أسوار الصيدليات، حيث يتحول الواجب المهني إلى رسالة تضامن وعطاء في أحلك الظروف.
هكذا أسدل الستار على المؤتمر الثاني للغرفة النقابية لصيادلة مكناس الكبرى والنواحي، بعد ثلاثة أيام حافلة بالنقاش والتفكير والتكريم، تاركا وراءه قناعة مشتركة مفادها أن صيدلية الغد لن تبنى فقط بالتكنولوجيا والابتكار، بل أيضا بالوحدة المهنية والتكوين المستمر والالتزام الإنساني الذي ظل على الدوام جوهر هذه المهنة النبيلة.
