مكناس..خبراء يفككون مستجدات قانون الجهات الجديد وتحديات تنزيله

حسن جبوري .

شهدت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، يوم الجمعة 5 يونيو 2026، نقاشا أكاديميا موسعا حول مستقبل الحكامة الترابية بالمغرب، وذلك من خلال مائدة مستديرة خصصت لتدارس التعديلات الجديدة التي جاء بها القانون التنظيمي للجهات رقم 031.26، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بمواصلة تنزيل ورش الجهوية المتقدمة وتعزيز أدوار الجهات في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.

هذا اللقاء العلمي، الذي نظمته شعبة القانون العام بتعاون مع مختبر الدراسات الدستورية والإدارية والمالية، ومركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية، والفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية، استقطب ثلة من الباحثين والخبراء والفاعلين المدنيين والمؤسساتيين، الذين أجمعوا على أن القانون الجديد يشكل محطة مفصلية في مسار إصلاح منظومة التدبير الترابي بالمملكة.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور محمد قدوس، عميد الكلية، أن التعديلات الجديدة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر باختصاصات الجهات ومواردها وعلاقاتها مع الدولة، معتبرا أن النقاش العلمي حول هذه المستجدات أصبح ضرورة ملحة لفهم أبعادها القانونية والمؤسساتية واستشراف آثارها على مسار التنمية الترابية. من جهته، أبرز الدكتور مصطفى امعمر، مدير مختبر الدراسات الدستورية والإدارية والمالية، أن هذه المبادرة تندرج ضمن مواكبة الجامعة المغربية للأوراش الإصلاحية الكبرى التي تشهدها البلاد، مشيرا إلى أن نجاح الجهوية المتقدمة يقتضي الوقوف عند مختلف الإشكالات المرتبطة بتنزيل النصوص القانونية على أرض الواقع.

أما الدكتور أحمد الحضراني، رئيس مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية، فقد شدد على أهمية استباق الإشكالات التي قد تفرزها الممارسة الميدانية من خلال النقاش العلمي الرصين، مبرزا أن تقييم أثر القوانين الجديدة قبل وبعد تنزيلها يعد مدخلا أساسيا لتجويد السياسات العمومية الترابية. وفي السياق نفسه، دعا الأستاذ حسن جبوري، رئيس الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية، إلى تعزيز انخراط المجتمع المدني في مواكبة الإصلاحات الجهوية باعتباره شريكا أساسيا في ترسيخ الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية.

وقد أدار أشغال اللقاء الدكتور امحمد قزيبر، رئيس شعبة القانون العام، الذي نجح في إضفاء طابع تفاعلي على النقاش من خلال إشراك مختلف الحاضرين في مناقشة مضامين القانون الجديد وانعكاساته على واقع التدبير الجهوي.

وخلال المائدة المستديرة، قدم الدكتور رشيد البوني قراءة تحليلية مستفيضة لمقتضيات القانون التنظيمي الجديد رقم 031.26، مبرزا أن فلسفته العامة تقوم على تعزيز فعالية الجهات وتطوير آليات تنفيذ المشاريع التنموية. وأوضح أن من أبرز المستجدات التي جاء بها النص القانوني الانتقال من نظام الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى إحداث شركات جهوية لتنفيذ المشاريع تأخذ شكل شركات مساهمة، بما يمنحها مرونة أكبر في التدبير والإنجاز. كما توقف عند التعديلات التي طالت الاختصاصات الذاتية للجهات، والتي تم تقليص بعضها وتحويلها إلى اختصاصات مشتركة مع الدولة، مع إضافة اختصاصات جديدة مرتبطة بالتنمية الرقمية وتعبئة العقار اللازم للمشاريع الاقتصادية.

كما أشار إلى أن القانون الجديد أعاد صياغة بعض الاختصاصات بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية الراهنة، حيث انتقل من منطق دعم المقاولات إلى تحفيز المبادرة المقاولاتية والاستثمار المنتج، فضلا عن منح الدولة دورا أكبر في المبادرة إلى التعاقد لإنجاز المشاريع الوطنية داخل المجال الترابي للجهات، بعدما كانت هذه المبادرة موكولة للجهات في القانون السابق.

من جانبه، سلط الدكتور أحمد الحضراني الضوء على عدد من التحديات التي قد تعترض تنزيل هذه المقتضيات الجديدة، وفي مقدمتها مسألة تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهات، وما قد ينتج عنها من صعوبات في التنسيق وتحديد المسؤوليات. كما أثار تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية التشاركية في ظل اعتماد نموذج تدبيري جديد قائم على الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، مشددا على ضرورة توفير آليات فعالة للشفافية والمساءلة وتأهيل الموارد البشرية القادرة على مواكبة هذا التحول المؤسساتي.

بدوره، اعتبر الدكتور عبد المغيت زين الدين أن القانون الجديد يؤسس لمرحلة جديدة من مسار الجهوية المتقدمة، بالنظر إلى ما يحمله من أدوات أكثر مرونة ونجاعة في تدبير المشاريع الترابية، غير أنه نبه في المقابل إلى ضرورة الحفاظ على استقلالية الجهات وضمان عدم تحولها إلى مجرد منفذ للبرامج المركزية، مؤكدا أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بقدرة مختلف الفاعلين على تحقيق التوازن بين متطلبات الفعالية التدبيرية ومبادئ الحكامة الديمقراطية.

وشهدت المناقشات التي أعقبت العروض العلمية تفاعلا واسعا من طرف الحضور، حيث تم التطرق إلى سبل تجاوز الإكراهات التي واجهت تطبيق القانون السابق، وآليات تعزيز الموارد المالية والبشرية للجهات، وأهمية تطوير أنظمة الرقابة والتقييم، إلى جانب ضرورة تنويع مصادر التمويل وإرساء نموذج مالي جهوي أكثر فعالية واستدامة.

واختتمت أشغال المائدة المستديرة بالتأكيد على أهمية استكمال الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر للجهات، وتعزيز التكوين المستمر للمنتخبين والأطر الإدارية، وتطوير آليات الشفافية والمحاسبة، وتبني الحلول الرقمية في تدبير الشأن الترابي، بما يضمن رفع نجاعة الأداء الجهوي وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.

وعلى هامش هذا اللقاء العلمي، تم توقيع اتفاقية شراكة وتعاون بين الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، تروم تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي والتكوين وتنظيم الأنشطة المشتركة، في خطوة تعكس حرص مختلف المتدخلين على توطيد جسور التواصل بين الجامعة والمجتمع المدني خدمة لقضايا التنمية والحكامة الترابية.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...