حين يختبئ الألم خلف مقاعد الدراسة قراءة نفسية في ظاهرة انتـ.حـ..ار التلاميذ ودور الأخصائي النفسي في الوقاية داخل المدرسة( مقالة رأي )

بقلم: الأخصائية النفسية كوثر مير
في كل مرة نسمع خبر انتـ..حار تلميذ، يتوقف الزمن للحظة قصيرة: صدمة، حزن، وأسئلة كثيرة. كيف يمكن لطفل أو مراهق ما يزال في بداية حياته أن يصل إلى نقطة يرى فيها أن الحياة لم تعد تحتمل؟ خلف هذا السؤال تختبئ حقيقة أكثر عمقا؛ فالمأساة لا تولد في لحظة واحدة، بل تنمو بصمت داخل عالم لا يراه أحد.
وقد أعاد خبر انتـ..حار تلميذة بمدينة تمارة، والذي هزّ الرأي العام المغربي في الأيام الأخيرة، فتح نقاش مؤلم حول الصحة النفسية للتلاميذ داخل الوسط المدرسي. فمثل هذه المآسي لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها حوادث فردية معزولة، بل باعتبارها إشارات إنذار تدعونا إلى التوقف والتفكير في الضغوط النفسية التي قد يعيشها بعض المراهقين في صمت، داخل فضاءات يفترض أن تكون حاضنة للتعلم والأمان النفسي.
عند التأمل في هذه الحوادث المأساوية بقدر من الهدوء والتحليل، يتضح أنها نادرا ما تكون مجرد وقائع فردية معزولة. فغالبا ما تعكس هذه الأحداث معاناة نفسية تتشكل تدريجيا داخل حياة بعض التلاميذ بعيدا عن انتباه الكبار. وقد يبدو التلميذ من الخارج مندمجا في حياته المدرسية، بينما يعيش في داخله صراعا نفسيا صامتا لا يجد الكلمات الكافية للتعبير عنه.
من هنا يصبح من الضروري فهم أن الظاهرة في سن الدراسة لا يبدأ في اللحظة التي يحدث فيها الفعل المأساوي، بل يتشكل غالبا عبر مسار طويل من الضيق النفسي غير المرئي. خلف مقعد دراسي هادئ ودفتر واجبات وامتحانات يومية، قد يعيش طفل أو مراهق تجربة متراكمة من القلق أو الشعور بالفشل أو الوحدة. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه التجارب إلى إحساس داخلي بالعجز أو فقدان المعنى.
في ضوء هذا الفهم، يوضح علم النفس الإكلينيكي أن الانتـ..حار لا يفسر عادة بوصفه رغبة مباشرة في الموت، بل باعتباره محاولة يائسة للهروب من حالة من الألم النفسي الحاد. ففي لحظة الانهيار قد يشعر الفرد بأن معاناته أصبحت أكبر من قدرته على الاحتمال، وأن الخيارات أمامه تبدو مغلقة، فيتحول الموت في مخيلته إلى تصور خاطئ للخلاص من هذا الألم.
تزداد حساسية هذه التجربة النفسية بشكل خاص خلال مرحلة المراهقة، وهي مرحلة انتقالية دقيقة تتشكل فيها ملامح الهوية النفسية والاجتماعية للفرد. ففي هذه المرحلة يصبح المراهق أكثر تأثرا بنظرة الآخرين إليه، وأكثر حساسية للفشل أو الرفض، كما تتعاظم لديه الحاجة إلى الاعتراف والتقدير. ولهذا قد يتحول الإخفاق الدراسي، أو المقارنة المستمرة بالآخرين، أو الشعور بعدم القبول داخل الجماعة المدرسية إلى جرح نفسي عميق يمس صورة الذات.
إلى جانب ذلك، تلعب بعض الظواهر المدرسية المعاصرة دورا مهما في تعقيد هذه المعاناة النفسية، ومن أبرزها التنمر أو الإقصاء الاجتماعي. فالتلميذ الذي يتعرض بشكل متكرر للسخرية أو التهميش قد يبدأ تدريجيا في تطوير شعور بالدونية والعزلة، وقد تتشكل لديه نظرة سلبية عن ذاته وعن مكانه داخل العالم. ومع غياب فضاء آمن للتعبير عن هذه المعاناة، قد يتحول الصمت إلى الشكل الوحيد الذي يعيش من خلاله هذا الألم.
في هذا السياق يبرز الدور الحاسم للمدرسة، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كفضاء نفسي واجتماعي تتشكل فيه تجربة التلميذ مع ذاته ومع الآخرين. فالمدرسة هي المكان الذي يبني فيه الطفل أو المراهق جزءا مهما من صورته عن نفسه، ويختبر فيه مشاعر القبول أو الرفض، النجاح أو الإخفاق. وعندما تختزل قيمة التلميذ في نتائجه الدراسية فقط، أو يغيب فيها الإنصات الحقيقي لمشكلاته النفسية، قد تتحول دون قصد إلى مصدر إضافي للضغط النفسي.
انطلاقا من ذلك، تبرز أهمية حضور الأخصائي النفسي داخل المؤسسات التعليمية بوصفه عنصرا أساسيا في منظومة الوقاية النفسية. فالأخصائي النفسي المدرسي لا يقتصر دوره على التدخل بعد ظهور الأزمات، بل يقوم بعمل وقائي يعتمد على الكشف المبكر عن مؤشرات الهشاشة النفسية لدى التلاميذ، وتوفير فضاء مهني للإنصات، ومساعدتهم على فهم مشاعرهم وتنظيمها، وتعزيز تقديرهم لذواتهم.
كما يسمح العمل النفسي داخل المدرسة ببناء جسور تواصل بين التلميذ والأسرة والإطار التربوي، وهو ما يتيح فهما أكثر شمولية للصعوبات التي قد يعيشها التلميذ داخل محيطه الاجتماعي والتربوي.
على المستوى الإكلينيكي، تشير الخبرة المهنية إلى أن حالات الانتـ..حار لدى التلاميذ لا تحدث عادة دون إشارات تحذيرية تسبقها. فقد يظهر على التلميذ انسحاب اجتماعي مفاجئ، أو فقدان واضح للدافعية الدراسية، أو تقلبات مزاجية حادة، أو تعبيرات متكررة عن اليأس وفقدان القيمة الذاتية. وفي بعض الحالات قد يتجلى الضيق النفسي في شكل سلوكيات اندفاعية أو تراجع مفاجئ في الأداء الدراسي. إن الانتباه إلى هذه المؤشرات يمكن أن يتيح فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل أن تتفاقم المعاناة النفسية.
من جهة أخرى، تلعب المواظبة على المتابعة النفسية دورا أساسيا في حماية التوازن النفسي للتلاميذ. فالعلاقة المهنية القائمة على الثقة بين التلميذ والأخصائي النفسي تتيح للتلميذ التعبير عن صراعاته الداخلية في فضاء آمن، وتساعده تدريجيا على تطوير مهارات أساسية مثل إدارة التوتر وتنظيم الانفعالات والتعامل مع الفشل بطريقة أكثر توازنا.
انطلاقا من كل ذلك، يتضح أن الوقاية من الانتـ..حار في الوسط المدرسي لا يمكن أن تقوم فقط على ردود الفعل بعد وقوع المأساة، بل تحتاج إلى رؤية تربوية شاملة تعترف بأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية. فالتلميذ الذي يشعر بأنه مسموع ومفهوم ومحاط بالدعم النفسي يكون أكثر قدرة على التعلم، وأكثر قدرة كذلك على مواجهة صعوبات الحياة.
في النهاية تكشف كل قصة انتـ..حار عن حقيقة مؤلمة: المعاناة كانت موجودة قبل المأساة بوقت طويل، لكنها بقيت غالبا غير مرئية. ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تفسير هذه الظاهرة بعد وقوعها، بل في القدرة على الإصغاء إلى الألم الصامت قبل أن يتحول إلى مأساة لا يمكن تداركها.
ففي كثير من الأحيان قد تكون لحظة إنصات صادقة، أو تدخل نفسي مبكر، أو حضور مهني واع… كفيلة بإنقاذ حياة كاملة.
