الأخصائية النفسية كوثر مير تكتب : المرأة المغربية بين واجب القوة وحق الهشاشة النفسية قراءة سيكولوجية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

بقلم الأخصائية النفسية كوثر مير
كلما ازداد الاحتفاء بقوة المرأة، ازداد في المقابل صمت الحديث عن تعبها النفسي. ففي المجتمع المغربي، كثيرا ما تمدح المرأة لقدرتها على التحمل والصبر، بينما يظل السؤال الأعمق أقل حضورا في النقاش العام: ما الثمن النفسي لهذه القوة الدائمة؟
ليست قوة المرأة المغربية مجرد صفة اجتماعية تنسب إليها، بل هي بناء نفسي تشكل عبر سنوات طويلة من التكيف مع منظومة معقدة من المسؤوليات والتوقعات. فالقوة التي يحتفى بها اجتماعيا قد تكون، في كثير من الأحيان، نتيجة مسار طويل من التكيف النفسي مع الضغوط أكثر مما هي اختيارا واعيا للصلابة الدائمة.
فمنذ وقت مبكر، تتعلم الكثير من النساء أن الصبر فضيلة، وأن القدرة على التحمل دليل قوة، وأن التعب يجب أن يبقى غالبا داخل الدائرة الصامتة للمشاعر غير المعلنة. وهكذا تتشكل تدريجيا صورة المرأة التي تستطيع أن تحتضن الجميع، وأن تحافظ على تماسك محيطها، دون أن تسمح لنفسها بأن تنهار.
غير أن هذه الصورة، على الرغم من قيمتها الرمزية في الثقافة الاجتماعية، تطرح سؤالا سيكولوجيا مهما:
ماذا يحدث نفسيا عندما تتحول القوة إلى واجب دائم؟
في علم النفس، يشير الباحثون إلى أن الهوية النفسية للفرد لا تتشكل فقط من خلال التجارب الشخصية، بل أيضا عبر الأدوار الاجتماعية التي يتوقعها المجتمع منه. وعندما تتكثف هذه الأدوار حول فكرة واحدة – مثل فكرة أن المرأة يجب أن تكون قوية دائما – فإن الفرد قد يجد نفسه أمام نوع من الضغط النفسي المرتبط بالأدوار؛ أي الشعور الدائم بضرورة الحفاظ على صورة معينة حتى عندما تتعارض هذه الصورة مع الحالة الانفعالية الداخلية.
وفي المجتمع المغربي، حيث ما تزال الروابط العائلية قوية والتوقعات الاجتماعية مرتفعة تجاه دور المرأة داخل الأسرة، تجد الكثير من النساء أنفسهن في موقع ما يمكن تسميته بالحارسة العاطفية لتوازن العائلة. فهي التي تستمع، وتدعم، وتحتوي، وتحاول الحفاظ على استقرار العلاقات داخل محيطها. غير أن هذا الدور، على أهميته، قد يحمل معه عبئًا نفسيًا خفيًا يتمثل فيما يسميه بعض علماء النفس العمل العاطفي غير المرئي؛ أي الجهد النفسي الذي يبذله الفرد للحفاظ على توازن الآخرين ومشاعرهم.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الجهد المستمر إلى ما يعرف في الأدبيات السيكولوجية بـالإرهاق الانفعالي، وهو حالة من الاستنزاف النفسي تظهر عندما يظل الفرد لفترة طويلة في موقع العطاء العاطفي دون أن يجد مساحة كافية لاستعادة توازنه الداخلي. واللافت أن هذا النوع من الإرهاق لا يكون دائما ظاهرا، لأن المرأة قد تستمر في أداء أدوارها اليومية بكفاءة، بينما يتراكم التعب في مستوى أعمق من التجربة النفسية.
لكن قراءة التجربة النفسية للمرأة المغربية لا ينبغي أن تقف عند حدود الضغوط فقط. فهذه التجربة تكشف أيضا عن قدرة لافتة على التكيف وإعادة بناء الذات. وتشير العديد من الدراسات في علم النفس إلى أن النساء يطورن عبر مسارات حياتهن أشكالًا متعددة من المرونة النفسية، تسمح لهن بتحويل الصعوبات إلى خبرات تعلم ونضج نفسي.
غير أن المرونة النفسية لا تعني غياب الحاجة إلى الدعم أو الاعتراف بالمشاعر. فالهشاشة النفسية ليست نقيض القوة، بل هي أحد أبعادها الإنسانية. فالإنسان القادر على الاعتراف بتعبه ومشاعره يكون، في الواقع، أكثر قدرة على فهم ذاته وتنظيم انفعالاته.
من هنا، فإن إعادة التفكير في صورة المرأة القوية داخل المجتمع المغربي لا تعني التقليل من قيمة هذه القوة، بل تعني توسيع معناها. فالقوة النفسية لا تكمن فقط في القدرة على التحمل، بل أيضا في القدرة على الإصغاء إلى الذات، والاعتراف بالحاجات النفسية، والبحث عن التوازن الداخلي.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن الصحة النفسية للمرأة جزءا من نقاش أوسع حول جودة الحياة داخل المجتمع. فالمرأة التي تعيش توازنًا نفسيًا أفضل لا تستفيد وحدها من ذلك، بل ينعكس هذا التوازن على الأسرة والعلاقات الاجتماعية وعلى المناخ العاطفي الذي ينشأ فيه الأطفال.
لذلك، ربما يكون من المهم في اليوم العالمي للمرأة أن نتجاوز الخطاب الاحتفالي الذي يكتفي بتمجيد قوة المرأة، وأن نطرح سؤالا أكثر عمقا:
كيف يمكن للمجتمع أن يعترف بقوة المرأة دون أن يفرض عليها أن تكون قوية طوال الوقت؟
لأن الاعتراف بحق المرأة في الهشاشة النفسية لا ينتقص من قيمتها، بل يعيدها إلى حقيقتها الأولى: إنسانة كاملة التجربة، تجمع بين القدرة على العطاء والحاجة إلى الاحتواء.
بقلم الأخصائية النفسية كوثر مير
