الفريق الاستقلالي يرفع سقف المطالب: لا نموذج تنموي دون عدالة مجالية

يشرفني أن أتدخل باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في إطار مناقشة الشقين الاقتصادي والمالي من مشروع قانون المالية لسنة 2026، وهو مشروع يكتسي طابعاً استثنائياً لكونه آخر قانون مالي في عمر هذه الولاية الحكومية، ولأنه يجسّد التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطابي عيد العرش وافتتاح السنة التشريعية، والهادفة إلى إحداث تحول عميق في مسار التنمية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وتحقيق توازن فعلي بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية والإنصاف المجالي.
ورغم السياق الدولي الذي لا يزال مطبوعاً بقدر كبير من الضبابية، وما يرافقه من تباطؤ في النمو العالمي المتوقع أن يبلغ 3.3% سنة 2025 و3.1% سنة 2026، خصوصاً لدى شركائنا الأوروبيين الذين لن يتجاوز نموهم 1.2% هذه السنة و1.1% السنة المقبلة، بفعل التوترات الجيوسياسية وتصاعد السياسات الحمائية وتباطؤ المبادلات التجارية، ورغم استمرار آثار الجفاف الذي تعيشه بلادنا منذ سبع سنوات متتالية—رغم كل ذلك—فإن اقتصادنا الوطني برهن بعون الله على قدرة كبيرة على الصمود، محققاً نسبة نمو مهمة تناهز 4.8% خلال السنة الجارية مدعوماً بقوة الطلب الداخلي ونشاط النسيج الإنتاجي.
ولا يمكن تقييم هذا الأداء دون استحضار التحولات العميقة التي يعرفها نموذج نمو اقتصادنا، حيث أصبح أقل تأثراً بالتقلبات المناخية بفضل الإصلاحات المالية والاقتصادية المعتمدة، وانتقال محركات النمو تدريجياً من الاعتماد المطلق على الأداء الفلاحي إلى قطاعات إنتاجية واعدة ومستمرة.
وفي هذا السياق، نسجل بارتياح الدينامية الإيجابية للقطاعات غير الفلاحية، التي واصلت نمواً منتظماً للسنة الثالثة توالياً، حيث انتقلت من 3.5% سنة 2022 إلى 3.9% سنة 2023، ثم 4.8% سنتي 2024 و2025. ويعود هذا التطور بالأساس إلى بروز قطاعات صناعية وتصديرية ذات قيمة مضافة عالية مثل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والسياحة. فقد بلغت مداخيل السفر 87.6 مليار درهم إلى غاية غشت 2025 مقابل 76.6 مليار درهم قبل سنة. كما سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة ارتفاعاً قوياً بلغ 39.3 مليار درهم بزيادة 43.4%، وارتفعت الأصول الاحتياطية إلى 421.4 مليار درهم.
وتعززت هذه المؤشرات الإيجابية بالتحكم في التضخم الذي تراجع إلى 1.1% وبخفض عجز الميزانية من 5.5% سنة 2021 إلى 3.5% سنة 2025، فضلاً عن تقليص المديونية إلى 67.4% من الناتج الداخلي الخام.
السيد الرئيس المحترم،
إن مشروع قانون المالية لسنة 2026 بُني على فرضيات واقعية تأخذ بعين الاعتبار ما يعرفه الاقتصاد الدولي وأسواق شركائنا، مع اعتماد معدل تضخم في حدود 2%، ومحصول زراعي متوقع يصل إلى 70 مليون قنطار، وسعر غاز البوتان في حدود 500 دولار للطن. كما تتوقع الحكومة تحسناً في الطلب الخارجي بمعدل 2.3% خارج الفوسفاط ومشتقاته.
وتقوم هندسة هذا المشروع على مواصلة تعزيز الاستثمار العمومي الذي انتقل من 245 مليار درهم سنة 2022 إلى 380 مليار درهم، ما سيسمح بتسريع المشاريع الكبرى المرتبطة بالنقل واللوجستيك، وتوسعة المطارات، وتقوية الأسطول الجوي الوطني، وتطوير الشبكة السككية وعلى رأسها تمديد خط القطار الفائق السرعة نحو مراكش، إلى جانب تسريع إنجاز ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي. كما رُصد غلاف مالي يناهز 16.4 مليار درهم لتعزيز الأمن المائي عبر بناء السدود، ومشاريع الربط المائي وتحلية مياه البحر.
إن تقييمنا الإيجابي لمضامين مشروع قانون المالية لا يقوم على الانحياز السياسي، بل يستند إلى معطيات واقعية ونتائج ملموسة حققها الاقتصاد الوطني خلال الشهور الماضية. ومع ذلك نؤكد في الفريق الاستقلالي أن استمرار الإصلاحات لن يكتمل دون مواجهة صارمة لآفة الفساد التي لا تزال تشكل العائق الأكبر أمام نجاعة السياسات العمومية وتنافسية الاقتصاد الوطني.
وعليه، ندعو الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قوية للحد من تغوّل بعض اللوبيات التي تستفيد من صيغ دعم غير عادلة، وإلى تعزيز صلاحيات مجلس المنافسة وأجهزة الرقابة، وتسريع إصلاح المؤسسات العمومية التي ما زالت تنتظر هيكلة عميقة ترفع من فعاليتها.
فالمعيار الحقيقي لنجاح أي رقم أو مؤشر اقتصادي يبقى هو وقعه المباشر على حياة المواطن وقدرته على تحسين مستوى معيشته وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
والله ولي التوفيق.
