تذكرة عودة : حرب الأحياء بالزيتون (مقالة رأي)

محسن الأكرمين.

في الماضي حتى القريب منه، كان يعيش سكان حي الزيتون بمكناس على تكتلات ذات أبعاد عصبية عائلية، وقد تحمل حرارة نزغ البعض على الآخر. فيما القليل من خلافات حروب الطفولة، فقد كان ذا بعد خلافي في امتداد السكن، والامتيازات، وأصل العرق (المجموعات الإثنية). تلك العصبية تماثل رؤية السراب في تجلياته، وانعكست تجلياتها على حروب صغرى بين مجموعة من أطفال تنوعات الأحياء، وبأسلحة مباحة للجميع، وغير مستوردة.
كان جميع أطفال من بالحي تحتضنهم مدرسة (الجبابرة) سابقا ، والتي أصبحت بقدرة القدير السميع العليم (الثانوية التأهيلية ابن الرومي) !!! مدرسة كانت تحتضن التنوع والاختلاف، أكثر من (54) تلميذا في القسم !!! تحتضن حتى الخلافات العائلية المجانبة، والبعيدة عن ساحتها الداخلية. مدرسة (الجبابرة) احتضنت التنافسية في نيل مراتب شرف التعلم والعلم ، والترقي الاجتماعي. كما ضمَّت كل المناوءات الطفولية الاحتكاكية من داخل فصولها، وتُصرف في خارج ساحتها عبر حروب تنشب طيلة السنة، وبالكثرة عند نهاية السنة الدراسية. حروب يمكن أن نقول أنها دائرية، ولا تتوقف عن تغيير الأحلاف والعدو، ويكون فيها الفائزون من يلحقون الأذى الجسماني بالآخر في عمق ديارهم.
كان حي الزيتون يتألف عموما من ساكنة تتوزع على باب كبيش، ثم الشاوية و(النقبة/ قبيبات السروج)، ثم كراوة وما زاورها من تجزئة بادو (المحدثة). ثم الروى ولهري وقصر المنصور، وما جاورهم بالقرب من حي تواركة. ثم الشراشر وما زاورها من (السويقة قديما / قرب مدرسة الفتح الخصوصية). ثم ازعير و يضم درب بوقطيب (ومجموعة سكنى القبري) وخارج باب كبيش. ثم حي الجبابرة (المعاركة)، ومن خلال هذا التناسق يتضح التلاؤم بين الاسم (المعاركة) كحامل، والمحمول باعتبارها منتجة للشغب الطفولي الزائد.
كان صهريج الشراشر يقع وسطا بين حي الجبابرة وازعير وباب كبيش. كان هذا الحوض المائي منبع الخلافات الدائمة في فصل الصيف، من حيث من يستفيد من العوم (السباحة) به طيلة اليوم. كان أطفال حي الجبارة (المعاركة) يستحوذون عليه كليا، ويستغلونه خاصة ما بعد الفترة الزوالية. هنا تشتعل الحرب بانضمام حي ازعير وباب كبيش في تحالف موحد ضد عدو مشترك أطفال(المعاركة). تشتعل حرب الحجارة، حتى يم تحرير مسقط شلال الماء العلوي، وينسحب أطفال حي المعاركة بالكره. وكانت الحرب كرّ وفرّ فحين تتعزَّزُ وتتقوى صفوف حي الجبابرة بدعم من الكبار، تعود كرَّةُ الحرب، وينسحب فريق ازعير وباب كبيش، والذي يكون قد استفاد من لحظات غطس مريحة في صهريج الشراشر.
أسماء متعدد من أبناء الأحياء بقي التاريخ يحكي من خلال رؤوسها التي انشقت ودَمت من خلال حجارة طائشة من منافس مناوئ. كان القصب يستعمل في النزاعات، كان القصب الأخضر الصغير ( ما كان يُصطلح عليه باسم العدة) في الحروب الباردة التي لا تريد إحداث الضرر المدمي. كان الماء بحق رمز حروب متتالية بين بداية توزيعه في السلوقية، ونهاية الاستفادة منه في (باب البطيوي)، حيث كان (المرحوم ) أبا محمد (مول الماء) و(بوشلاغم/ الجبلي) رحمه الله كذلك، حين يفشلون من دخول الشراشر، وباب اكبيش يقومون بإنزال بشري من فلاحي حي الروى، وباب البطيوي لأجل تحرير سواقي الماء من الحواجز، و قطع الاستغلال بدون موجب حق.
ومما يذكر الخبر الشفهي البعيد، حين استفحل النزاع عن مصادر توزيع الماء. قرر شيوخ الأحياء المؤلفة لحي الزيتون وما جاوره بالاستفادة عقد لقاء مهادنة ومصالحة. لكن الكل أراد أن تكون منطقة حيه منطقة صلح وانتصار. فاجتمع الرأي السديد على عرف تقسيم مدافن مقبرة سيدي عياد. حيث كان اللقاء في وسطها بعد عصر يوم ما. كانت كل فئة لها بوابتها، ومنطقة دفنها كما جرى به عرف التقسيم في المقبرة. حيث دخل ممثلو ساكنة الجبابرة وباب كبيش، وازعير من الباب الشرقي القريب من متاجر (الفاسي حايا)، فيما شيوخ الروى والشاوية والنقبة… من الباب الغربي للمقبرة، فيما الباب العلوي فدخل منه ممثلو باب البطيوي وما قرب من حي اتواركة، أما الباب الذي قبالة (زليج مكناس) فكان لمن سكن بالقرب من حي ابني امحمد، وجنان الأقواس (قنطرة الفرسان).
لقاء توج بمعاهدة صلح، وتصالح شفهي بعهد الفاتحة والدعاء. انتهى الجمع بخفض التوتر بين جيل أطفال المستقبل. وبتحريم كل المناوشات في شهر الصيام، وتبادل الأئمة بين مساجد حي الزيتون الكبير في ولوج محارب الصلاة. فبات من يومها التحرك ليل شهر الصيام آمنا، وبدون خوف من الآخر المتربص. صلح انتهى بتقسيم الماء عبر الأيام والساعات، وتجديد الثقة في أبا محمد (مول الماء) رحمه الله من جهة باب البطيوي، والمرحوم (الصديق) من جهة باب كبيش. انتهى الصلح باستغلال شلال الشراشر سواسية وبدون مناوشات طائشة.
حين وصلت إلى هذا الصلح العرفي من حكي التواتر ابتسمت لطيبة ساكنة الزيتون. حقيقة كانت القلوب سمحة، وبقيت كذلك ملازمة باحترام تراتبية الأجيال. ابتسمت حين نلتقي غالبا في الجنازات المشتركة الأفخاذ، ويتم العناق بيننا بحرارة، في نفض لأحداث الماضي، وفي تحد تام للبروتوكول الصحي الخاص بـ (كوفيد 19).


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...