العيد الكبير ” مغاربة تحت مقصلة الجائحة … (مقالة رأي )

ذ. رجاء قيباش

يمثل عيد الأضحى في المغرب رمزا أنثروبولوجيا متفردا وغنيا بزخم طقوس قدسية ، و الدليل على ذلك الوضع الاعتباري الرفيع الذي خصه به المغاربة بعد تسميته في لسانهم الدارج ب”العيد الكبير” ، و ذلك منبثق ، طبعا ، عن مقارنته بباقي المناسبات ذات المرجعية الدينية و التي تقل عنه جسامة حسب براديغم نفسي يميز كل فرد على حدة ، و تتباين نسبيتها باختلاف المناطق و الخصوصية الفكرية والثقافية للقاطنين بها ، و كذلك بنية و تنظيم مؤسسة الأسرة ، فقد أبان مصطلح “المغاربة ” ، خصوصا ، في الآونة الأخيرة ، عن عدة فئات و طبقات ذات خصوصيات اقتصادية و سوسيوثقافية جد متمايزة ، و تتجلى الخصوصيات المذكورة في كون الطبقة العليا و المتوسطة ، و نخص بالذكر تلك التي تمتهن مهنا ذات طبيعة فكرية ، تتخذ جلها ، مناسبة “العيد الكبير ” كعطلة مؤدى عنها ، بيد أنه صعب أن نتغاضى عن خصوصية الأسر الفقيرة ماديا و ثقافيا ، و التي تلتزم بضوابط النموذج المعياري الديني و العقائدي للمناسبة السالفة الذكر باعتبارها ركيزة جوهرية لخلق التوازن الاقتصادي ، و ذلك راجع بالأساس ، لقدرة طقوس “العيد الكبير” على ضمان الاقتصاد التكافلي و تكريس ثقافة الإيثار و العطاء ، لكن ، لا يجب أن نستهين ، و نحن نحاول مقاربة الموضوع ، بربط السبب بالنتيجة ، و تسليط الضوء على انفجار بوثقة المجتمع الاستهلاكي خصوصا في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها بلادنا جراء تفشي جائحة كوفيد 19 ، و التي ألحقت تغييرا مهما بالتوازنات السياسية من خلال إصدارها لقرارات طارئة و استثنائية تهم الأمن و السلم الجماعي من منظور الجهات المسؤولة ، و نذكر منها قرارات إغلاق بعض المدن و منع التنقل من و إليها ، مما خلق حالة فوضى و ارتباك و شد ذهني و خلخل التوازن النفسي لمعظم المغاربة ، و تمخض عنه ، بالنتيجة ، قلق اجتماعي أدى إلى اضطراب متعدد المكونات (معرفي وجداني – سلوكي) ، وَسَمَهُ المُدَوّنُون على صفحات التواصل الاجتماعي بليلة “الهروب الكبير”، بعد أن سارع آلاف المواطنين المغاربة إلى الالتحاق بأسرهم ومدنهم قبل حلول موعد الإغلاق ، وسُجلت حالة فوضى كبيرة وحوادث سير خلّفت خسائر مادية وبشرية، بعد أن وجد المئات من المواطنين أنفسهم يخوضون سباقاً ضد عقارب الساعة التي أبت ألا تسير إلا للخلف ، جرّاء قرار مفاجئ أجج غضب فئة عريضة من المغاربة لتزامنه مع مناسبة عيد له دلالات دينية وسيكولوجية واقتصادية واجتماعية عميقة جدا .

ترى هل الحجر الصحي كاف أم يلزمنا حجر أخلاقي للإفلات من براثن الفيروس القاتل ؟

إلا أنه قبل أن نحاول الإجابة على السؤال السابق ، لا ضير من التذكير بأن المخيال الشعبي مفهوم زئبقي مما يجعل تعريفه و حصره مسألة معقدة ، لكن بالمقابل ، يمكن اعتباره الرحم الحاضن للثقافة الشعبية ، لأنه خزان رمزي شاسع من التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالبعد التاريخي و الجغرافي و النفسي و الاجتماعي من ناحية ، و بمسألة الاعتقاد كآلية لها تأثير في طمس الخصوصيات الشخصية المحلية ، ناهيك عن تثبيت الهوية الوطنية أو بروزها بشكل واضح و ملموس، متحكم فيه من خلال خلفية اجتماعية تحرص على مراعاة الايديولوجيات السائدة و المد التاريخي لمصادره من ناحية أخرى .

و هذا يعني أن المجتمع المغربي كباقي البيئات الفكرية ” المحافظة ” على هويتها الدينية و انتمائها الثقافي في العالم بأسره، تتدحرج عجلة حياتها بطريق النمو ، و تسقط بمطبات و أزمات تختلف مواردها بين ما هو مقدس روحاني يعتبره المغاربة فرصة للتخفيف من العجز الوجودي و أداة للتفريغ النفسي و الاجتماعي عن الضغوطات التي يعانون منها ، و ما هو دنيوي ، منفعي ، عملي ، يعتبر مصدر لقمة العيش و ضرورة قصوى لضمان البقاء .

بيد أنه يجب ألا ننسى ، بأن عقم استنفاذ الطاقة الوجدانية لدى الفاعلين الاجتماعيين بسبب مجابهة ظروف الجائحة ، على الوجه الأصح ، يتطلب يقظة فكرية عالية ، مع الحرص على احترام العقل الجمعي بكل شواخصه من طرف المشرع و المقرر السياسي قبل اتخاذ قرارات استثنائية خصوصا في ظروف تتميز بالراهنية و هشاشة البنية السوسيوثقافية و السوسيواقتصادية ، في إطار يضمن إماطة اللثام عن التناقضات و التوترات التي لازالت تكتنف خصوصية اتخاذ القرارات المصيرية في البلاد ، لنتفادى السقوط في فخ جدلية العيد و الحرب ، كما جزم عالم الاجتماع و الانتروبولوجيا الفرنسي “روجيه كايوا” في كتابه ” الانسان و المقدس ” كنظرية تشرح تطور رغبة الانسان في تفريغ طاقته من العيد في المجتمع البدائي إلى الحرب في المجتمع الحديث مع ما يحملانه من تناقض تام ، فالأول يحيل على الفرح و الثاني يحيل بلا شك على الدمار


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...