كوفيد 19.. الأسرة المغربية بين القرب الزوجي الاضطراري والمقاومة الصامتة

*رجاء قيباش*

بعيدا عن شعارات التوازن الأسري و الاستقرار العاطفي التي تزين الواجهة و المقاومة الصامتة التي تئن تحت وطأتها العديد من الأسر ، كان للحجر الصحي الذي فرضه انتشار وباء كورونا دور بارز في إزاحة الستار، بقسوة و بوتيرة متسارعة ،عن الواقع المضطرب و المهزوز الذي تعيشه بعض الأسر المغربية و المتجسد في تفشي تحديات سلوكية و بروز أفكار وتصورات وعواطف وعلاقات غير الصحية لدى أفرادها .
لقد كان للوباء وقع ثقيل على التمثلات و السلوكات الفردية والجماعية ، نتج عنه ضغطا نفسي متعاظم على الأسر، شكل اختبارا مصيريا لمتانة الروابط داخلها ، خصوصا تلك التي تجمع بين الأزواج ، كما أكد إصابتها بفيروس التشتت العائلي الذي تجلت أعراضه في حمى العنف بمختلف أصنافه ، تفاقم التباعد العاطفي علاوة على وجع الاغتصاب الزوجي .
إن البيت الذي كنا نعتبره ، فقط ،مكانا للنوم ، و لا نمارس فيه أدنى مقومات التواصل الإنساني ، حيث كنا نقترب من بعضنا فيزيائيا و ليس اجتماعيا ، أضحى في زمن الجائحة حلبة صراع بين الرجل و المرأة ، و بدل أن يكون درعا منيعا ضد فيروس كورورنا ، تحول إلى بؤرة وبائية تنتقل داخلها عدوى القلق و الخوف و الغضب بصورة أسهل وأسرع ، و هو ما تؤكده عدة مؤشرات أولية لتأثير فترة العزلة الصحية على العلاقات الزوجية ، فقد سجلت العديد من الدول ارتفاعا مقلقا في عدد النزاعات الزوجية و كذا حالات العنف الأسري المتمخضة عنها ، هذا بالإضافة إلى معطيات وطنية صادرة عن النيابات العامة بالمغرب يستفاد منها أنه خلال الفترة الأولى من فرض حالة الطوارئ الصحية جرى تسجيل أكثر من 892 شكاية حول مختلف أنواع العنف ضد النساء، سببها الأساسي تراكمات مشاكل من الماضي فاقم من حدتها عدم الاستئناس بالقرب الزوجي الاضطراري الذي ترتب عن إنفاذ حالة الطوارئ الصحية .
و هنا لابد من التذكير بأن المادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية ، اعتبرت
الأسرة بمثابة وحدة جماعية طبيعية وأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة ،
كما ألزمت الدول الأطراف في هذا العهد سالف الذكر ، باتخاذ التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله ، وفى حالة الانحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد ، و هو ما كرسه الفصل 32 من الدستور المغربي بتنصيصه على أن الأسرة القائمة هي الخلية الأساسية للمجتمع و إلزامه الدولة بضمان الحماية الحقوقية و الاجتماعية و الاقتصادية للأسرة بما يصون وحدتها و استقرارها.
و مما لا شك فيه أن الأفكار والرؤى والمواقف تتغيّر بفعل عامليْ الزمان والمكان ، و العيش المشترك يفرض ولوج المجال الاجتماعي الذي يُعتبر بصفة عامة دائرة شبه مغلقة تتحرك فيها الأجساد عبر أبعاد زمنية محددة للبعض و متناهية للبعض الآخر ، فكل من المجال العام و المجال الخاص صُنف حسب الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل و المرأة و حسب بيولوجية كل منهما ، إذن بشكل تصوري و تمثلي للعلاقات بين الجنسين ، المرأة هي ذلك الكائن الذي يجب أن يُخبأ بالبيت ، و الرجل له الحق في ولوج المجال العام أي خارج البيت بكل حرية ، لكن هذا التمثل الأولي و التقليدي تغير ذلك أن المجال العام لم يعد حكرا على الرجل فجاءت الجائحة لتقلب كل موازين العيش الأساسية مما أدى إلى تصادمات بين الجنسين نتج عنها انشطار و صراع و بالتالي التهاب العلاقات بينهما.
و نظرا لتداعيات التشنجات الأسرية التي انصرمت الإشارة إليها ، و هشاشة القدرة على التكيف مع الوضعيات الاجتماعية الجديدة داخل البيت و التي فرضتها فترة الطوارئ الصحية ، تضع الأسرة المغربية على محك تحدي نفسي جديد خصوصا مع تغير العادات الحياتية و المعتاد اليومي وهو ما ينذر بتضاؤل القدرة على ربط اتصال واعي بذواتنا و باندلاع فوضى أحاسيس بدواخلنا ملؤها مشاعر و خيبات و صدمات لا ندرك ماهيتها ، عالم آخر بداخلنا لكننا غرباء عنه .
إن الإنسان الواعي هو من يربط اتصالا ذكيا ممنهجا مدروسا بوعيه مع لاوعيه و هو واعي ، و بذلك يضمن تصالحا مع ذاته و الذي سينعكس إيجابا على علاقته بالآخر، لأن أفضل ما يمكن امتلاكه هو عقل متأمل راض، قابل للتأقلم مع الوضع الذي يعيشه مهما كانت صعوبته و قادر على تحويله إلى فرصة لتحقيق سعادته و سعادة محيطه ، و في حالة انتفاء مقومات بيئة نفسية سليمة لدى كل من الزوجين ، سيصابان بعبء ذهني واحتقان نفسي يتم تصريفهما باللجوء إلى العنف بشتى شواخصه ، سواء كان جسديا أو رمزيا ، وقد يصل في ظروف معينة إلى اغتصاب زوجي .
لقد أبانت أزمة كوفيد 19 عن الوضع المتأزم الذي ينخر جسم الأسرة المغربية و ذلك بعد أن حرمت هذه المؤسسة الاجتماعية من المُسكنات التي كانت تستمدها من الحياة العادية قبل فترة الحجر الصحي، و المتمثلة في السفر و العمل و الأنشطة الحياتية الموازية ، التي كان لها دور وقائي أحيانا و علاجي أحيانا أخرى للالتهابات الزوجية .، مما يتعين معه مراجعة العلاقات الاجتماعية ، و إعادة تعريف القيم و الأدوار من خلال التركيز على مبادئ التربية الإيجابية ، و الحوار، و التدبير التشاركي و المتفاوض بشأنه لكافة شؤون الأسرة .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...