الخليج 2020..حرائق مشتعلة ومياه مضطربة “مقالة رأي”.

ماجد بن محمد الأنصاري

كاد الخليج العربي أن يودع عام 2019 بنبرة تفاؤلية نحو عام وعقد جديدين؛ ففي الربع الأخير من العام كان التصعيد الأميركي/الإيراني قد انخفض إلى أدنى مستوياته، وبدأ الحديث عن مفاوضات سعودية/قطرية لحل الأزمة الخليجية، ووصلت الكويت مع الرياض إلى اتفاق جديد بشأن المناطق المشتركة يُنهي الخلاف المستمر منذ أكثر من عامين بينهما.

ولكن هذه النبرة التفاؤلية لم تدم طويلاً؛ فقد جاء التصعيد بين واشنطن وطهران، ثم عاد التراشق الإعلامي على أشده بين أطراف الأزمة الخليجية، ودخلت تحديات جديدة على الخط؛ وكان كل ذلك بين الأسبوع الأخير من 2019 والأسبوع الأول من 2020.
لقد باتت منطقة الخليج العربي -التي كان يُنظر إليها سابقاً بوصفها واحة للاستقرار في محيط من الفوضى- تقترب سريعاً من محيطها، بل وتتجاوزه لتصبح هي بؤرة النزاع المتوقعة التي يسلط عليها المراقبون الضوء في هذا العام.

طهران وواشنطن.. سباق التصعيد
بعد تراجع التصعيد بين واشنطن وطهران في 2019؛ تنفس العالم الصعداء بعد أن هدد الاعتداء على الناقلات في مياه الخليج -الأمر الذي لم تشهده المنطقة منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية- واستهداف أرامكو بإشعال حرب خليج ثالثة، لا يسلم من لظاها أي طرف على ضفتيْ الخليج ولا أبعد من ذلك.

ولكن الإيرانيين كان لديهم -على ما يبدو- رأي آخر. ففي مواجهة العقوبات القاسية على الاقتصاد الإيراني والتحديات الداخلية التي أفرزتها؛ اختار النظام الإيراني سياسة التصعيد المتحكَّم فيه لفترة، بمعنى أن تلجأ طهران -عبر وكلائها- إلى استفزازات مدروسة يصعب نسبها مباشرة إلى طهران، لكنها تربك الإدارة الأميركية وتضعف موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداخلي، وتشكّل ضغطاً على حلفاء واشنطن في المنطقة للدفع نحو حلّ يضمن رفع العقوبات ولو جزئياً أو تخفيفها.

الرهان هنا كان يتركز في أن ترامب لا يريد مواجهة حقيقية في سنة انتخابية، ويمكن دفعه باتجاه تخفيف العقوبات حال توفر العصا المناسبة بالضغط المستمر، والجزرة بعرض التفاوض؛ ولكن أحداث الأيام الأخيرة من 2019 والأسبوع الأول من 2020 أثبتت عدم نجاعة هذا الرهان.

في 27 ديسمبر/كانون الأول 2019؛ أدى هجوم صاروخي على قاعدة K1 -في مدينة كركوك العراقية- إلى مقتل متعهد أميركي، ليكون القتيل الأميركي الأول في إطار التصعيد بين ترامب وطهران. وبما أن مقتل مواطنين أميركيين كان الخط الأحمر بالنسبة للإدارة الأميركية؛ فقد جاء الرد سريعاً من قِبلها باستهداف مقارّ القيادة والتحكم لكتائب حزب الله العراقي في العراق وسوريا، لتكون الحصيلة أكثر من 25 قتيلاً وكبرياء مجروح للفصائل الموالية لإيران في العراق وعلى رأسها الحشد الشعبي.

ويبدو أن النظام الإيراني اعتقد أن نهاية المشهد ستكون بتلك المظاهرات الحاشدة حول السفارة الأميركية في بغداد، وصوّر كوادر الحشد وهم يحطمون زجاج إحدى بوابات السفارة؛ ولكن هذا العمل المعنوي في جُلّه كان حساساً بشكل كبير للرئيس الأميركي، لأن الاعتداء على السفارة بهذا الشكل يرتبط في الذهنية الأميركية عموما بأحداث عام 1979، حين اقتحم مؤيدو الثورة الإسلامية في إيران السفارة الأميركية في طهران، واختطفوا 52 رهينة أميركية ولمدة تجاوزت 14 شهراً.

ولكن بالنسبة لترامب كان الرابط الأهم هو مع الاعتداء على منشأتين للولايات المتحدة في بنغازي عام 2012؛ حيث هاجمت عناصر من مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة -أطلقت على نفسها اسم “أنصار الشريعة”- مقراً دبلوماسياً كان بمثابة سفارة أميركية هناك، وموقعاً لوكالة الاستخابارت المركزية الأميركية (سي آي أي)، ونتج عن الهجوم مقتل السفير الأميركي جاي كريستوفر ستيفنز وثلاثة من مواطنيه.

هذا الحادث استغله ترامب كثيراً في هجومه على سلفه الديمقراطي باراك أوباما، ومن ثم على منافسته الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية (عام 2016) هيلاري كلنتون، التي كانت وزيرة للخارجية الأميركية عند وقوع الاعتداء في بنغازي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...