لبنان…الأنوثة والكرامة

صدى تيفي.

في ظل ثقافة ذكورية بائسة، تتنصل بكل الجحود من إقامتها الأولى في رحم سخي مدّها بأسباب البقاء والوجود، ما زالت ضمن منهجها السطحي القاصر تقرن الصفات السلبية من جبن وتردّد وضعف وتخاذل بالأنوثة، وتعتبر المرأة، مهما كان موقعها، مادة سهلةً للتحقير والاستهانة والتندّر، وتتطاول عليها بلا مروءة ممارسة خطاب تمييزٍ وكراهيةٍ مقيتين، وتمجّد، في كل مناسبة، لفرط محدودية تفكيرها وقلة ثقتها، وبشكلٍ مطلق وبنبرة فوقية رعناء، مفهوم الرجولة، من دون تمييز بين فروق فردية، فتختصر بها كل القيم الإيجابية من شجاعةٍ وكرامةٍ وعزة نفس وإقدام. في ظل كل ذلك السواد والقبح، تنهض المرأة اللبنانية الحرّة المناضلة نموذجا إنسانيا باهرا ينتزع الاحترام والتقدير والإعجاب عنوة، تقف في الشارع شريكا كامل الأهلية ندّا مشرقا، وحضورا قياديا قويا مؤثّرا تتصدّى بجسارةٍ لرموز الفساد والظلم، دفاعا عن بلدها المخطوف. تقول كلمتها بشجاعةٍ وكرامةٍ وأنفة، وتعبّر عن وعيٍّ سياسي متقدّم، تطالب بحقها المشروع في العمل والعلاج والعدالة والمستقبل الآمن لصغارها، لتشكّل النموذج الحقيقي المرتجى للمرأة العربية المقهورة المصادرة حقوقها. تقبض على جمرة المقاومة، في وقتٍ يحاولون، بكل ما أوتوا من جهلٍ وصفاقة، كسرها وتحجيمها، وحصرها في منطقة العيب والعورة.
تجلّى ذلك في تلك السلوكيات الشائنة المبتذلة في سيل النكت والطرائف السمجة والتعليقات البذيئة التي تداولها بعضهم (منهم شخصيات إعلامية مفترض أنها وازنة!) تناولت، باستخفافٍ وقلة احترام، صورة للمرأة اللبنانية أطلقها فاشلون جبناء صغار على إثر انتفاضة لبنان المجيدة التي كشفتهم أمام أنفسهم، نماذج ذكورية فجّة عنصرية فارغة جاهلة مكبوتة، لا تتقن احترام ذاتها. والمفجع أن الخجل لم يعترهم، من أنفسهم على الأقل، كونهم معتادين طأطأة الرؤوس في حضرة منطق الاستبداد. لم يجللهم العار، وهم يشاهدون النائب، بولا يعقوبيان، تتصدّى بشراسة لبوة جريحة لوزير سمح لنفسه بالتعرّض لسمعتها وشرفها، حين واجهته بتهم الفساد، فلقنته على الهواء درساً في الكرامة والأخلاق والأنوثة. واصلوا، من باب الدفاع عن الضحالة، تداول تلك التعليقات الممجوجة غير اللائقة، متجاهلين مشهد الصبية الشجاعة التي واجهت رصاص مرافق أحد المسؤولين بجسدها، دفاعا عن بقية المتظاهرين.. أي فروسيةٍ هذه، أيتها الصبية الجميلة الحرّة البطلة؟ وأين هم من قامتك الشامخة الطامحة الرافضة للضيم؟ من يجرؤ بعد الآن على التقليل من شأنك، وأنت تملأين الشوارع والميادين بكل جمالك وأناقتك واعتنائك بمظهرك الحر، بشعرك المصفّف. تنطقين بكلمة الحق، وتؤكدين أن الجمال لا يتعارض مع الذكاء، كما يروّجون، والأكثر فجائعية أن جوقة من نساءٍ حاقداتٍ معقداتٍ مستظرفاتٍ انضممن، وساهمن، بلا خجل، في ترويج تلك الطروحات المؤسفة وتداولها.
وللإنصاف، لا بد من الإشارة إلى مقابل تلك النماذج الشوهاء القاتمة التي تملأ الفضاء الأزرق. هناك فرقة ناجية من رجال ونساء عرب، على مستوى كبير من الوعي والرقي والحضارية والعمق. فئة قليلة متصالحة مع ذاتها، متخلصة، عن سابق وعي وإدراك، من عقد موروثة.
هؤلاء فقط من النماذج الواعية التقدّمية العميقة من وقف دائما إلى جانب المرأة، معتدّا بها متكئا عليها، مؤمنا بها احتراما وتقديرا لقيمة الأنوثة، ولدور المرأة في حركة التغيير. هؤلاء فقط من يستحق أن نراهن عليهم، ونبني عليهم اليقين بحتمية التقدّم والخروج من بحار الظلمات التي تغمر واقعنا السياسي والمعيشي. وتحرّضنا على اقتراف الأمل والتشبث به سلاحاً وحيداً، والمضي في السباحة عكس تيار الجهل والتخلف والقطعنة والمجاهرة الجمعية بالغباء.
المجد للمرأة اللبنانية، وهي تعيد صياغة تاريخ بلدها المجروح. المجد للمرأة العربية الشجاعة في العراق والسودان، وفي كل بقعة من هذا الوطن المنهوب.
صدى تيفي.
sadatv.ma


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...