الدلالات العميقة وراء انتخاب قيس سعيد رئيسا لتونس

صدى تيفي.

انطلق الرئيس التونسي، المنتخب، قيس سعيّد، عندما ترشح للتنافس على الوصول إلى قصر قرطاج، من تظلّمات عامّة شعبه وإرادتهم وأحلامهم، من دون أن يحمل نياشين المؤسّسة السياسية على كتفيه، أو شارة أيّ من الأحزاب على صدر معطفه، أو شعارات المدارس الأيديولوجية المتنافسة على لسانه العربي الفصيح. وبعدما صوّت له أغلب التونسيين بما يزيد عن نسبة الثلثين من مجموع الأصوات، انطلق المخيال السّياسي التونسي والعربي القانط من أسر الاستبداد والسلطوية المستدامة، ليحتفي بالبهجة، وتعدّدت عبر الصّحف والشّاشات ووسائل التواصل وجلسات المقاهي مترادفات اللّحظة بين ارتِيَاح، واستِبْشار، واِغْتِبَاط، وانْشِراح، وبَشَاشَة، وتَهَلُّل، وتَهْنِئَة بمطلع عهد جديد. هكذا ينتشي المزاج العربي ويتفجّر قاموس الضاد بزخم الدلالات ووفرة الإيحاءات، بعد أنْ أكملت تونس دائرة التحوّل الديمقراطي التي بدأتها عام 2011.
تظل تونس المرتع السّياسي الخصب الذي نشأت فيه حركة التغيير بشعار “إرحل”(dégage) الذي تبنّته حركات متمرّدة أخرى في 952 مدينة في العالم. وبعد ثماني سنوات، أصبحت رمزا جديدا لألمعية الفكر والثقافة وأرجحيتهما في فهم قضايا المواطنين، وإعادة تركيب العلاقة بين المجتمع والدولة، بعد تنافر وجفاء مستحكم منذ عقود. تأججت لحظة النشوة بنصر إرادة الشّعب على المال والسّياسة والأيديولوجيا وشتّى الميكيافيليات السّلطوية. تداخل الفكر والحبّ في السياسة، وتحرّك الوجدان بشاعرية اللحظة بعد طول انتظار، غير أنّ استيعاب كيف أصبح قيس المواطنُ الرّمزَ السياسي وقوسَ قزح الأمل المُرْتَقَب في تونس الجديدة يستحضر جدلية السّياق والمسار، وهي جدلية تنطوي على تداخل عدة أحداث وأفكار وخلفيات اجتماعية لدى التونسيين. وبقدر ما سيثير فوز قيس بالرئاسة قدرا من الكتابات الجديدة في أدبيات السياسة، فإن تحليل قيمة هذا التحوّل يستدعي بعض التأطير النظري لفهم قيس الرمز وقيس الظاهرة السياسية، ضمن أربع دلالات متكاملة بين الرجل ومحيطه وزمانه:
1 ــ مُحارب البلوتارخية
يعكس الفوز الرئاسي لقيس الغلبة الحتمية لإرادة الشعب على قوّة المال والإعلام ومرامي الدعم الخارجي التي كانت لغريمه نبيل القروي. كما أنّه لم يسخّر موارد مالية كبيرة، أو حملات
“يعكس فوز سعيِّد الغلبة الحتمية لإرادة الشعب على قوّة المال والإعلام ومرامي الدعم الخارجي” إعلانية، أو حشودا جماهيرية لاستمالة إرادة الناخبين أكثر من التردّد على بعض المقاهي، حيث يلتقي شباب وشياب وطنه. تمسّك بزُهْد انتخابي غير مسبوق، فأسّس بذلك قطيعة بين قصر قرطاج ونفوذ السلالات السياسية والذريات المالية التقليدية، ومن حولهم صنّاع الرأي العام ومهندسو تعبيد الطريق إلى الرئاسة، حسب تقنيات “مافياوية” السياسة الجديدة.
جاء خطابه وسلوكه مناقضيّن للمضاربين على فعالية المال في السياسة، أو من يمكن تصنيفهم “بلوتارخيين” جددا في تونس. ويعود مفهوم البلوتارخية plutarchy أو منظومة “الأمير التّاجر” إلى الأدبيات الإنكليزية عام 1631 كناية عن المجتمع الذي تحكمه فئة ثرية، أو ذات مركز تجاري ومالي متوارث. وعبر التاريخ، دان مفكّرو السياسة، مثل عالم الاجتماع الفرنسي ألكسيس دي توكفيل، ورئيس وزراء بريطانيا خلال حقبة الحرب العالمية الثانية، وينستون تشرشل، وحاليا المنظّر اليساري الأميركي، نعوم تشومسكي، هؤلاء البلوتارخيين، لتجاهلهم مسؤولياتهم الاجتماعية، واستغلال قوتهم لخدمة أهدافهم الخاصة، وبالتالي زيادة الفقر ورعاية الصّراع الطبقي، وإفساد المجتمعات بالجشع والمتعة.
لا تخفى المفارقة عندما يزهد قيس عن المال الانتخابي، أو التبرعات السياسية، فيما لا يتردّد غريمه في دفع مليون دولار إلى “خبير” كندي في العلاقات العامة لتدبير لقاء له مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يمثل صيغة أميركية معاصرة من شخصيات نادي البلوتارخيين في العالم. وعند خطاب قيس بعد الفوز بالرئاسة، انتحرت أدبيات المال والسياسة عند ناصية التناقض الصارخ في تباعد المسافة بين أميركا “الزّعامة بالمال” وتونس “الزّعامة ضد نفوذ المال”. ويشهد شاهد من أهلها عندما يتفّق تشومسكي والرئيس السابق جيمي كارتر والرئيس السابق للبنك الاحتياطي المركزي الأميركي، بول فولكر، في القول إن “الولايات المتحدة تتحرّك نحو نظام بلوتارخي”.
2 ــ نظرية الحاجيات البشرية الأساسية
ليس عرضيا أن يتأهّل قيس سعيّد ونبيل القروي إلى الدور الثاني في انتخابات الرئاسة من بين 26 مرشحا بشتى العباءات الحزبية والمستقلة والاستراتيجيات الخطابية. وليس من المصادفة
“نظرية “الاحتياجات البشرية الأساسية” تفسر وصول كل من سعيد والقروي إلى السباق الرئاسي النهائي” أن يتقابل الرّجلان وجها لوجه، بعد خروج الثاني من السجن، في ثاني مناظرة تلفزيونية مباشرة. وعلى الرّغم من التباين الشّاسع بين شخصيتيْهما ومستوى إدراكهما السياسي وطبيعة العلاقة بين كلّ منهما وأنصاره، ثمّة نظرية واحدة تساعد في استيعاب أسباب دخولهما في الصّفين، الأول والثاني على التوالي، في السباق إلى قرطاج. هي نظرية “الاحتياجات البشرية الأساسية” التي أسّس لها عالم النفس الاجتماعي أبراهام مازلو ضمن دراسة بعنوان “نظرية التحفيز البشري” عام 1943، وتطوّرت تاريخيا على أيدي منظرّي علم فض الصراعات في الثمانينيات من القرن الماضي، ومنهم بول سايتس وجون بورتن.
عبر هرم افتراضي يتدّرج فيه وعي الأفراد بالاحتياجات، صعودا من الأسفل إلى الأعلى، يطالب المرء دوما بتوفير احتياجاته الفيزيولوجية مثل الهواء، والماء، والطعام، والثياب، والمأوى، والدفء، والجماع، والنوم. وبعد تحقيق ذلك، يشعر بالحاجة للأمان، والاستقرار، والنظام، وعدالة القانون، والحرية من الخوف، ليأتي بعدها المستوى الثالث، وهو احتياجات الحب والانتماء الأسري والعلاقات الاجتماعية، بما تنطوي عليه من صداقة وحميمية والشعور بالثقة. وتشكل هذه المستويات الثلاثة “فئة الاحتياجات الدنيا” مقابل “فئة الاحتياجات العليا” التي تشمل المستوى الرابع من الهرم، وهي احتياجات الاحترام والتقدير، كناية عن ترقّب الفرد أن يحترم الآخرون كرامته ومعنوياته واستقلال رأيه. ويختزل المستوى الخامس احتياجات تحقيق الذات والاعتراف بالقدرات الشخصية للفرد والجماعية للأقلية أو الطائفة أو مجموعات الهويات الفرعية داخل المجتمع، من أجل تحقيق أقصى ما يمكن من طموحاتهم وتطلعاتهم.
عند تقاطع تلك الاحتياجات الدنيا والعليا وطبيعة تصوّرهما الذهني لدى سائر التونسيين، تباينت أصوات التأييد بين معسكريْ قيس سعيد ونبيل القروي، وتأرجحت كفتا الميزان الانتخابي النهائي لصالح قيس بـ70% مقابل 30% للقروي. ثلث الناخبين قرّر من منطلق “احتياجات النقص” أو “الاحتياجات الدنيا” مناصرة القروي “زعيم” حملة التبرعات، ووعود “تمزيق تذكرة الفقر”، وتوفير السلع وبقية المساعدات الاجتماعية للفقراء، من بينها “مكرونة رندة” التي يتم إنتاجها في مصنع يملكه نبيل نفسه، جعلت بعضهم يتندّر على حملته بلقب حملة “المكرونة”. كان الرجل زعيم العمل الخيري ومرشح الفقراء والمهمشين الذين وجدوا في “نبيل مكرونة” مكسبًا لهم وبطلا “قوميا” لإنهاء الحيف وتحسين مستوى المعيشة. واقعية الطرح المعيشي السلبي جعلت المرشح القروي لا يتشنج من وصفه بـ”نبيل مكرونة أو كسكسي”. وقال في ثلاثة لقاءات وتجمّعات انتخابية إن ذلك الوصف لا يزعجه، بل يشرّفه، “لو كنت أستطيع أن أغيّر اسم “قلب تونس” إلى حزب المكرونة لن أتوانى عن ذلك”.
في المقابل، وقف اثنان من كل ثلاثة تونسيين في صف قيس سعيد، بعد أن التفّ حوله مؤيّدون، وأغلبهم من الطّلاب والشّباب المتطوّع الذين يتذكّرونه شخصية قوية الحضور خلال احتجاجات “القصبة 1” عام 2011، ويتشبعون بأهمية ما يدعو إليه من إصلاحات وردّ الاعتبار المعنوي لهم بما فوق الاحتياجات الفيزيولوجية وبقية عناصر الاحتياجات الدنيا. يتطلعون إلى دوره في تعبيد الطرق أمام تونس، لتحقّق ذاتها وتلامس قوس قزحها الذي يتراءى لهم في أفق “تجديد الثقة بين الشعب والحكام” الذي تعهّد به قيس سعيد، فضلا عن “إيجاد آليات قانونية جديدة تمكّن الشعب التونسي من أن يرتقي بإرادته إلى مستوى القرار”. لم يعوّل
“الدلالة السياسية لرمزيةٍ وصول سعيد إلى الرئاسة تماثل اختراق “جدار برلين” وقطع الطريق لعقود بين السياسة والمواطنة العادية” المواطن والمرشح قيس سعيد على رجال أعمال أو مؤسسات، “بل على ترسانةٍ من المتطوعين الشباب الذين انخرطوا في حملته تشجيعًا لشخصية مستقلة تحظى باحترام من أوساط أكاديمية واجتماعية وسياسية، لعدم انخراطها في المسائل الجدلية والمواقف الشعبوية”، كما يلاحظ الصحافي التونسي كريم البوعلي.
هي جدلية “الاحتياجات الدنيا” و”الاحتياجات العليا” ضمن هرم تونسي متحرّك الدوران، متدرّج المطالب. وكما قالت صحافية تونسية “فضلًا عن أنّ كلّ مكوّنات المجتمع المدني أجمعت على صدقه وحبه لوطنه وقدرته على ضمان الحقوق والحريات، وكذلك تقديمه برنامجا انتخابيا متكاملا يعالج مباشرة أزمات الشعب”.
كان الفرق مثيرا بين خيارات تونس في تفكيك تحدّياتها المعيشية، حسب الأفق الفكري لمرشّح يختزل خط النهاية بإمدادات “المكرونة”، وملء البطون، وتأمين نوم الجفون، من أجل تفادي لعنة السجون، وإعادة تركيب مستقبلها وفق رؤية برغماتية لمرشح آخر يرى في اقتراع الثالث عشر من أكتوبر خط البداية لأكثر مما تشتهيه البطون بغية إنهاء الفساد بمنطق القانون، وألا يتحكم في ملفات السياسة البيروقراطيون المركزيون، بل أهلا بما يقوله المندوبون الجهويّون، وأن الديمقراطية ليست حكرا يهيمن عليها المتنفّذون، وإنما هي فجر تونس، يرسمه الشباب المهمّشون.
صدى تيفي.
sadatv.ma


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...