جدلية تحديات الثقافة الرقمية وواقع العلم الشرعي

صدى تيفي.

جلي أن ما يدعونا اليوم إلى التفكير في مستقبل البحث في العلوم الإسلامية هو إحساس قوي بانسداد الأفق أمام المشتغلين بهذه العلوم. فمن ينظر مليا فيما تُنتجه مراكز البحث والمؤسسات الجامعية، المعنية بصياغة مناهج لتوليد معرفة إسلامية قادرة على تنمية المجتمع وتأهيل أفراده، لتمثل روح العصر تمثلا صحيحا يذكي روح الإبداع؛ سيجد نفسه أمام كم هائل من الأفكار والنظريات التي لا تُقدم في شيء أبدا، إن هي لم تُؤخر.

كما يُخيَّل له أن المعرفة الإسلامية قد بلغت المنتهى الذي صارت عنده مجرد ممضوغات يلوكها جيل بعد جيل، وهي أقرب إلى الوعظ الديني منها إلى معرفة علمية تُشدُّ إليها الرحال. وكذلك فإن وضع العلوم الأخرى ليس أفضل حالا من وضع العلوم الإسلامية. غير أن إخفاق العلوم المرتبطة بالدين في توليد المعنى قد يكون له من الأثر ما يفوق أثر إخفاق العلوم الأخرى.

ليس الغرض من تأكيد انسداد الأفق أمام العلوم الإسلامية هو التيئيس من إمكانية إصلاحها أو انبعاثها؛ غير أن للحديث عن هذا الإصلاح وجوها لا يستقيم بها، كأن يكون حديثا متعلقا بالزمن السياسي فحسب؛ إذ الأصل -في ظننا- أن إصلاح منظومة العلوم (إسلامية كانت أو غيرها) شأن متعلق بالزمن الثقافي والحضاري أكثر من تعلقه بالزمن السياسي. فمن الوهم اختزال هذا الإصلاح في برنامج سياسي أو خطة حزبية مثلا.

وتأسيسا على ذلك؛ يمكننا أن نؤسس لوعي استشرافي جديد يضع سؤال الإصلاح الموضع الصحيح. ويغلب الظن عندنا أن أزمة العلوم الإسلامية هي جزء لا يتجزأ من أزمة ثقافية وحضارية عامة، أزمة تجد التوصيف الأمثل لها فيما يصطلح عليه العلامة بن خلدون في مقدمته بـ”نقطة وقوف في تاريخ الأمم”.

ويلحق بهذه الدعوى أن الخروج من مآزق العلوم الإسلامية يقتضي الانزياح عن نقطة الوقوف في تاريخ المسلمين. ويحتاج المرؤ أن يكون على قدر كبير من هوان العقل حتى يعتقد أن الانزياح عن نقطة الوقوف هذه لا يكون إلا اعتمادا على مقومات التراث الأصيل، دون تفاعل مع مقومات الحديث الدخيل؛ فهيهات أن تطمع الأمة الإسلامية في الخروج من وضع التخبط الحضاري والمعرفي اعتمادا على تراثها فقط، بل لا مناص لها من التفاعل مع علوم العصر وفنونه إن هي شاءت ترميم ذاتها.

إن مثل من يطمع في تجديد العلوم الإسلامية من الداخل فقط، كمثل من يعتقد أن هذه العلوم صناعة عربية إسلامية صرفة، نشأت في منأى عن التأثيرات الخارجية. صحيح أن للوحي دورا مركزيا في تفتق الذهنية العلمية الإسلامية؛ فلا يخفى كيف ساهم القرآن الكريم في إخراج الثقافة العربية من طور البطولة الشعرية، التي لا يقترن معها القول بالفعل، إلى طور ثقافة أخلاقية يجتهد المسلم فيها ليكون فعولا قؤولا.

“كان للتفاعل مع الوحي دور كبير في إرساء دعائم ثقافة علمية جديدة تغيرت معها ملامح البطولة العقلية. غير أن التفاعل مع الوحي رافقه تفاعل لا يقل أهمية مع ثقافة العصر وعلومه؛ فقد أبان المسلمون عن استيعاب كامل لأدوات إنتاج المعرفة المتاحة في عصرهم. حتى إن أصول الفقه -وهو من أكثر العلوم خصوصية والتصاقا بالمسلمين- اصطبغ بصبغة الأورغانون الأرسطي، كما اتسم علم الكلام بميسم الجدل الفلسفي الذي انتهى إليهم”

فلم يعتب القرآن الكريم على الشعراء قولهم الشعر، ولكن عاتبهم لعدم إقران القول بالفعل: «والشعراءُ يتبعهم الغاوون، ألمْ تَرَ أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون». فبتوجيه من الوحي؛ خرج العقل الإسلامي من ثقافة شعرية بلغت أرقى مراتب الجَوَلان والهيام والضلال مع شعراء أمثال امرؤ القيس -الذي لُقِّب بـ”الملك الضليل”- نحو ثقافة تنشد الاستقرار على المستوى الحسي الحضاري، والنسقية على المستوى العقلي المعنوي.

إذن فقد كان للتفاعل مع الوحي دور كبير في إرساء دعائم ثقافة علمية جديدة تغيرت معها ملامح البطولة العقلية. غير أن التفاعل مع الوحي رافقه تفاعل لا يقل أهمية مع ثقافة العصر وعلومه؛ فقد أبان المسلمون عن استيعاب كامل لأدوات إنتاج المعرفة المتاحة في عصرهم.

حتى إن أصول الفقه -وهو من أكثر العلوم خصوصية والتصاقا بالمسلمين- اصطبغ بصبغة الأورغانون الأرسطي، كما اتسم علم الكلام بميسم الجدل الفلسفي الذي انتهى إليهم. وكيف يعقل تصور علم الكلام الإسلامي دون وجود المهماز الخارجي؛ ألم يتأسس هذا العلم أصلا للمنافحة عن الإسلام والدفاع عن العقيدة أمام خصومها!

وما كان للثقافة الإسلامية وللعلوم الإسلامية أن تنهض لولا تداخل مسارين اثنين: مسار الاستعراب ومسار الاستعجام؛ فقد شكل انفتاح الداخل على الخارج نقطة الارتكاز التي قامت عليها الحضارة الإسلامية في فترات عنفوانها. وكل المنجزات العلمية والأدبية والفقهية التي شهدها تاريخ المسلمين تقف شاهدا على أنهم أحسنوا الاستفادة من الرصيد المعرفي والثقافي الذي كان متوفرا في زمنهم، فتحقق لهم بفضل هذه الاستفادة ما لم يتحقق لغيرهم من منجزات عظيمة لا ينكرها إلا جاحد.

وخلاصة القول في هذا الباب أن المسلمين توسلوا بأحدث وسائل عصرهم لصناعة نهضتهم الثقافية والعلمية الأولى. وليس من المبالغة القول بأن المسلمين بلغوا الذروة في الاغتراف من ثقافة عصرهم العلمية، هذه الثقافة التي تأسست على التعريفات والحدود والقياس والقضايا، وغيرها من الأدوات التي تدخل فيما كان يُصطلح عليه بعلوم الآلة، وهي العلوم التي كان الأورغانون الأرسطي يمثل قطب رحاها.

ويقوم شاهدا على هذا القول جملة الكتابات التي تناولت هذا الأورغانون بالتحليل والتمحيص والتفكيك والنقد والنقض. فبالرغم من تعدد المواقف من المنطق الأرسطي؛ فإن الجدل العلمي الدائر حوله يظل شاهدا على تمكن المنظومة العلمية الإسلامية من هضمه وتوظيفه ونقده، وهذا ما يدل على انخراط المسلمين في ثقافة العصر الكلاسيكي العلمية ومنظومته المعرفية.
صدى تيفي.

الرئيسية


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...